وبالرغم من أن ما وقعت فيه الأمة، وما ستقع فيه من التشبه بالأمم الأخرى، إنما هو قدرٌ من أقدار الله وقضائه الذي لا يرد، فإن هذا لا يعني أن المسلم يستسلم لهذا القدر؛ بل إنه مطالبٌ بفعل الأسباب الواقية؛ فإن الله - تعالى - حذرنا من سبيل الكافرين، وأمرنا بالاستمساك بالعروة الوثقى، وبالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن وقوع فئة من المسلمين أو حتى أكثرهم - لا قدر الله ذلك - في التشبه بالكافرين فإن هذا لا يعني أن الأمة هلكت كلُّها [4] ؛ لأن النصوص تثبت أنه: لا تزال طائفة من أمته ظاهرةً على الحق حتى تقوم الساعة [5] . وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته ) ) [6] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فعلم بخبره الصدق أنه في أمته قومٌ مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا، وقومٌ منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف؛ بل وقد لا يفسق أيضًا؛ بل قد يكون الانحراف كفرًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان؛ فلذلك أُمر العبد بدوام دعاء الله - سبحانه - بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلاً" [7] اهـ.
أيها الإخوة: جاءت شريعة الإسلام بالنهي القاطع عن التشبه بالكافرين في أي شيء: في العبادات والمعاملات، والأخلاق والعادات، واللباس والهيئات. ونصوص الشرع في ذلك أكثر من أن تحصر. فمخالفة المشركين، والبراءةُ منهم أصل من أصول الدين، الإخلال به إخلال بالدين؛ لذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصد مخالفتهم دائمًا وأبدًا.