ولقد كان لأهل الجاهلية مواسم يعظمونها، وعبادات يؤدونها فيها؛ فجاء الإسلام فأبطل ابتداعهم، وقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخالفتهم في شعائرهم.
ومن الأزمنة التي عظمها أهل الجاهلية شهر رجب؛ حتى سمي رجبًا لأنه كان يُرَجَّب، أي: يُعظَّم، كما قال أهل اللغة [1] ، وأكثر القبائل تعظيمًا له مضر؛ حتى نسب إليها فقيل: رجب مضر. وبلغ من تعظيمهم له: أنهم كانوا يتحرَّون فيه الدعاء على من ظلمهم [2] .
ولأهل الجاهلية في هذا الشهر عتيرة يذبحونها؛ أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلغاءها فقال: (( لا فرع ولا عتيرة ) ) [3] . وفي رواية: (( لا عتيرة في الإسلام ) ) [4] . قال أبو عبيد:"العتيرة هي الرجبية: ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب، يتقربون بها لأصنامهم" [5] وقال الحسن - رحمه الله تعالى:"ليس في الإسلام عتيرة؛ إنما كانت العتيرة في الجاهلية، كان أحدهم يصوم رجب ويعتر فيه" [6] .
وكثير من جهال المسلمين ومبتدعَتِهم تبعوا أهل الجاهلية في ذلك فتعبدوا لله - تعالى - بالذبح في رجب؛ فخالفوا أمره، وشابهوا أهل الضلال والجاهلية، وبعضهم قد لا يذبحون فيه لكنهم يحتفلون به، ويجعلونه عيدًا. قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى:"ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسمًا وعيدًا كأكل الحلوى ونحوها" [7] .
ولما طال الأمد بالمسلمين، وابتعد زمنهم عن زمن الرسالة، تبع طائفة منهم أهل الجاهلية في تعظيم رجب؛ بل زادوا فيه عبادات ما كان يفعلها أهل الجاهلية! دفعهم إلى ذلك أوهام خاطئة، وجهل مستحكم، تحت قيادة شيوخ ضالين، وأصحاب عمائم منحرفين، يتأكلون بالبدعة، ويرتزقون بإضلال العامة. يدخلون عليهم باسم العبادة، ويتسللون إلى قلوبهم لإفسادها بالبدعة تحت شعار محبَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأداء حقه؛ فاخترعوا لذلك كذبةً قبيحة حينما أوهموا العامَّة أن حادثة الإسراء والمعراج كانت في رجب، فهم يعظمونه احتفاءً بهذه الذكرى!!