فهرس الكتاب

الصفحة 3717 من 19127

إن الملاحظ - أيها الإخوة - أن الناس إذا أحدثوا بدعة من البدع أحدث آخرون بدعة أخرى تقابلها وتعارضها، فيقع كثير من الناس في حيرة بين البدعتين إلا من هداه الله - تعالى - بالعلم النافع؛ فجانب البدعتين، وأعرض عن خطأ الطائفتين.

ظهرت في الإسلام بدعة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي، ويستحلون دماءهم، فقابلها المرجئة ببدعتهم الضالة، التي تنفي الكفر عمن يستحقه، وتدخل في الإيمان من ليس من أهله.

ولما قال أقوام بالجبر عارضهم آخرون بالقدر. ولما قال أقوام ببدعة التمثيل والتشبيه في صفات الرب - تبارك وتعالى - قابلهم آخرون ببدعة النفي والتعطيل، فعطلوا الرب - تبارك وتعالى - من صفاته اللائقة به!

ولما أخذ أناس بنصوص الوعيد والترهيب، وقصروا الناس على الأخذ بها، جاء آخرون فدعوا الناس إلى نصوص الوعد والترغيب، وقصروهم على ذلك؛ ردًّا على أهل الوعيد والترهيب.

فلا تظهر بدعة إلا قوبلت بأخرى في الطرف الآخر، ولا يُفْرِط أقوام إلا ويقابلهم آخرون بالتفريط، وهكذا احتار جمهور الأمة في كثير من الأعصار والأمصار بين دعاة الغلو ودعاة التقصير، وضاع الحق في دوامة الإفراط والتفريط، ولم يسلم من ذلك إلا أهل الحق من أتباع السلف الصالح، الذين ثبتوا على الأمر الأول، وأخذوا بوسطية الإسلام البعيدة عن الإفراط أو التفريط، والغلو أو التقصير.

أسأل الله - تعالى - أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على الحق المبين، وأن يتوفانا على الإسلام والسنة، غير مبدلين ولا مغيرين، إنه سميع مجيب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت