الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحداً منهم" [1] ."
إن ألفاظ الخطاب واضحة غاية الوضوح، فلماذا اختلف الصحابة - رضوان الله عليهم - في فهم مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم عرب أقحاح؟ إن بعض الصحابة فهم من نهي النبي عن صلاة العصر إلا في بني قريظة أنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة، وليس المراد ظاهر اللفظ، لأن هناك نهياً سابقًا وعاماً عن تأخير أي صلاة عن وقتها ولا سيما صلاة العصر حيث ورد أن من تركها كان كمن هلك أهله وماله. وقال بعضهم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعني ما يقول، وإن علينا ألا نصلي العصر إلا إذا بلغنا ديار بين قريظة، ولم يبالوا بخروج الوقت وذلك فهم ترجيع للنهي الثاني على النهي الأول، وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها.
ولم يعنف - عليه الصلاة والسلام - أي فريق من الفريقين لعلمه بوجود إمكانية للاجتهاد في فهم كلامه، وإمكانية بالتالي للاختلاف وقريب من هذا قول الله - تعالى - {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين} [2] فقد ذكر بعض المفسرين أن لفظ (السبعين) غير مراد لأن العرب تعودت التعبير بسبعين عن الكثرة وعن بلوغ الشيء غايته ومنتهاه، فإذا قال أحد الناس: لا أكلم فلاناً سبعين سنة صار بمنزلة قوله: لا أكلمه أبداً.