2 -من المهم أن ننظر إلى اختلاف الناس في آرائهم، وأفكارهم، ونظراتهم إلى الأشياء. إنه يشبه اختلاف وجوههم تماماً؛ كل إنسان سويٍّ له فم وأنف وعينان وجبين وحاجبان.. ومع هذا فلا تكاد ترى وجهاً يطابق وجهاً آخر مطابقة كاملة؛ وذلك بسبب اختلاف الملامح والألوان والتفاصيل الصغيرة..
وهكذا الناس؛ تتشابه آراؤهم, بل تتطابق حين يفكرون في مسائل وقضايا كبرى؛ هي أشبه بالأصول والثوابت الثقافية. فإذا فكروا في مسائل فرعية أو جزئية, وإذا تجادلوا في صلاحية أداة أو أسلوب أو هدف جزئي..؛ فمن من الطبيعي جدّاً أن يختلفوا اختلافاً واسعاً, بل إن من العسير عليهم آنذاك أن يتفقوا.
وسأضرب مثالاً واحداً لتوضيح هذا: هناك إجماع لدى كل الأمم على بر الوالدين واحترامهما, وهذا الإجماع على المبدأ؛ حيث لا نعرف أي ثقافة تقول: يستحب ضرب الوالدين! أو الغدر بهما! أو إهانتهما!..
لكن حين يأتي الناس لتوصيف معنى البر والاحترام؛ فسنجد اختلافاً واسعاً داخل الملّة الواحدة! فهناك من المسلمين -مثلاً- من ينظر إلى نفسه على أنه عاقٌ لوالدته التي تسكن في الحي الذي يسكن فيه؛ إذا لم يقم بزيارتها كل يوم أو يومين مرة. وقد يكون له أخ شقيقٌ يرى أنه سيكون بارّاً بأمه؛ إذا زارها في الأسبوع مرة.
فإذا ذهبنا إلى المجتمعات الغربية اختلفت الصورة كليّاً, حيث نجد هناك من يعد نفسه بارّاً جدّاً؛ إذا زار والدته التي تسكن في الحي نفسه الذي يسكن فيه مرة في الشهر أو الشهرين! وقد أوجدوا يوماً في السنة لتكريم الأم؛ بسبب ضعف التواصل بين الأبناء مع أمهاتهم طيلة العام!!
في هذا الإطار ينبغي أن نفهم قول الله جل وعلا:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...} [1] .
قال الحسن وعطاء ومقاتل في: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} : أي: للاختلاف خلقهم.