والاتّحاد من أعظم أسباب القوَّة، فالجهود الفرديَّةُ لا تَصنع حضارة ولا تَبني أُمَّة، وإنما يَصنعها الجُهْد الجماعيّ المنظَّم في وَحْدَةٍ واحدة، وقد لَفَتَ القرآنُ الكريم أنظارنا إلى قيمة الاتحاد، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] . وتكرَّر التحذير من التشتُّت والتفرُّق والتنازع، من ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] . أي تَضْعُفوا وتذهب قُوَّتكم بسبب تنازعكم، وقد ضَرَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَثَلاً بالِغَ الرَّوْعَةِ والإيحاء للمجتمَع المسلم المترابط المتَّحِد، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبُنْيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا ) )، فالمجتمع بِنَاءٌ، وكل فَرْد بمثابة لَبِنَةٍ في هذا البناء، وتماسُكُ اللَّبِنَاتِ هو الذي يُقيم البناء ويعطيه قوته وصلابته.
ومن أسباب القوة: حُسْن التقدير والتخطيط واختيار الخطة المناسبة والمكان المناسب، ليكون للفعل تأثيرُهُ وقوته؛ فلكلِّ فعل زمانه ومكانه المناسِبان له، وقد يكون الفعل في ذاته صوابًا لكنه جاء في وقت غيرِ مناسبٍ أو في مكان غيرِ مناسبٍ فتنقلِب الآية وتكون النتيجة عكسيَّة.
ومن أهم أسباب القوة أيضًا: الثَّبات وعدم الانهيار أمامَ الشدائد والأَزَمات، وقد عَلَّمَنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك بالفعل والقَوْل: بالفعل في وقفته الشجاعة في عزوة أُحُدٍ وقد فَرَّ الفُرْسان مِن حولِهِ؛ فكان أقربَ الناس إلى العَدُوِّ حتى أصيب وكُسِرَتْ سِنُّه وهُشِّمَتْ خَوْذَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - وبالقول في حديثه الشريف: (( ليس الشديد بالصُّرْعَةِ، وإنما الذي يَملِك نَفْسَه عند الغَضَب ) ).