وإذا كانت استقلاليةُ الأمة قد اقتصرت في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأمور الشرعية، فإنها بدأت تتوسع لتشمل كلَّ أمور المعاش فيما بعد، وهذا التوسعُ لم يعنِ مقاطعةَ الأمم الأخرى، وعدم تبادل المنافع معها أبدًا، وكيف يكون ذلك، وقد جعل الله هذا التبادل من نعمِه على البشرية؛ فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ، وإنما عُني به أن تكون للأمة شخصيتُها المميزة، وأن تسعى للاعتماد على نفسها، والتخلص من التبعية للأمم الأخرى، وألا يكون اقتصادُها مرتبطًا بغيره من الاقتصادات الأخرى، ينهار بانهياره، ولا يكون سبل تعليمها وتربيتها وتثقيفها نابعًا من تخطيط غيرها، وإنما من إبداع أفرادها، تمامًا كما تفعل سائرُ الدول القويةُ الآن وفي كل عصر..
وقد لمسنا هذا التوسعَ بأجلى صوره في تعريب الدواوين الذي قام به عبدُ الملك بن مروان والحجاجُ بن يوسف الثقفي، إذ كان ديوانُ الشام من قبل يُكتب باليونانية، وديوان فارس والعراق بالفارسية، وديوان مصر بالقبطية، ويهيمنُ على وظائفه غيرُ المسلمين، فأمر عبد الملك بنقلها جميعاً إلى العربية؛ مما أدى إلى تقليص نفوذ غير المسلمين من الأعاجم الذين يعملون بهذه الدواوين، وساعد على تسابق الناس في تعلم العربية، فلم ينتهِ القرنُ الأول الهجري حتى كانت اللغةُ العربية لغةَ التخاطب والتعامل والتدوين في شتى البلاد الخاضعة للدولة الإسلامية..
وكادت لغاتُ البلاد القديمة أن تُنسى بعد أن أقبل العجمُ على العربية، يحاولون إتقانَها ومنافسة العرب أنفسهم فيها، وليرقوا بذلك إلى المناصب العليا بالدولة، وكان ذلك إيذانا باستقلالية الأمة في لغتها وثقافتها أيضا.