موقف العسكري من قضية اللفظ والمعنى هو انتصاره الواضح للفظ (( وليس الشأن في إيراد المعنى، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحُسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه،. وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابًا ) ) [40] وواضح أنه يكرر قول الجاحظ: (( والمعاني مطروحة في الطريق... الخ ) ) [41] ، ولكنْ ما هو مفهوم أبي هلال للفظ الذي ينتصر له ؟ وما هو مفهومه للمعنى الذي يؤخره ؟ يبدو أن العسكري لا يقف بمفهوم اللفظ عند الألفاظ في ذاتها مجردة، لقد ابتعد به وتوسع فيه إلى حد يَدخُل فيه نحو من الصياغة والتركيب، أو كما قال: (( مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف ) ) [42] ، كما يدخل فيه إحكام الصنعة، وجودة المطالع، وحسن المقاطع، وبديع المبادئ وغريب المباني، ولعله بهذا ممن مهدوا - بشكل ما - لتبلور نظرية النظم عند عبدالقاهر الجاجاني. أما المعنى فقد أورد له نعوتًا مثل الصواب، والبعد عن المحال [43] ، وعن الاستكراه والسخف [44] ، ومع أن هذه أوصاف يصعب الاتفاق على وضع مقاييس لها، كما يصعب معرفة مفهومه الدقيق لها، فسنقف بعض الوقت عند أول النعوت وهو الصواب خاصة وقد ألح عليه في أكثر من مكان مثل قوله:"وليس بطلب من المعنى إلا أن يكون صوابًا" [45] .
وقوله:"فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ، إن المدار بعد على إصابة المعنى" [46] .
خاصة وقد قرنه - كما نلاحظ في الاستشهاد الأخير - بتحسين اللفظ كأنهما الوجهان المختلفان لعملية الإِبداع الواحدة. ووقوفنا يتحدد عند فصل خصصه أبو هلال للتنبيه على خطأ المعاني وصوابها بإيراد أبيات بَيَنْ خطأها وصوابها من وجهة نظره مثل قول امرئ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل