لقد كانت المؤامرةُ كبيرة، وكان مكرُهم عظيماً {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] ، ونسجت خيوط المؤامرة بعناية فائقة ولكنها واهية كبيت العنكبوت {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} [العنكبوت: 41] ، ظاهر البناء الخير والصلاح، وأما الباطن فهو حرب على الله ورسوله وتفريقاً للمؤمنين، لقد كان المسجد أنموذجا؛ فالصور تتنوعُ، والأساليب تتعددُ، والهدف واحد، والدرع الذي يُتترَّس به: {إن أردنا إلا الحسنى} [التوبة: 107] ، فجاء القرآن فاضحاً لهم، كاشفاً لزيفهم ولزيف كل من سار على دربهم؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 107-110] ، إنه المصير المحتوم لكل مشروع ضرار لا بركة فيه؛ منهار معنوياً، وسرعان ما ينهار حسياً بإذن الله، لا ثبات له ولا قرار فمن يقيم فيه؟!.. وكيف يكون له ثبات وقد بُني على حافة حفرة وعلى تربة غير متماسكة؟ سرعان ما يسقط وينهار؛ إذِ الأرضُ الطيبة لا تقبله ولا أهلها الطيبون.