وعلى أن النقد العربيَّ كان أكثرَ موضوعية من نظرية التلقِّي الحداثيَّة في هذه القضية، إذ لم يجعل حرية المتلقِّي مطلقةً، بل قيَّدها - كما رأيتَ في النصوص القليلة التي أوردناها - باحتمالية لغة النص المُؤَوَّل، فالقارئ ليس حرّاً حرية مطلقةً في فهم النص، وتأويله كما يريد، مما قد يَخرُج به عن هذه الاحتمالية، ويجعله ألعوبةً في يد القارئ يفعل به ما يشاء بحُجَّة الإعلاء من دوره، وجعله كل شيء في العمليَّة النقدية.
وهكذا يبدو واضحاً أن الاهتمام بالقارئ ليس من فُتوح النقد الحداثي وما بعد الحداثي، بل إن هذا النقدَ قد أسرف وبالغ في قضيةٍ معروفة في تراثنا الأدبيِّ والنقدي، فخرج عن الموضوعيَّة في كلامه على القارئ ، إذ جعل حريته مطلقةً، على حين قيَّد ذلك النقدُ العربيُّ، فجعلها مرتبطة بـ (( مَقصِديَّة النصِّ اللغويَّة ) )أي بالداخل، وأحياناً بالخارج - كالمناسبة وظُروف النشأة مثلاً - حينما يكون هذا الخارجُ مفيداً مساعداً على فَهم الداخل واستخراجه.
وبدا هذا الربط واضحاً مؤكَّداً عليه عندما يكون التعاملُ مع النصِّ المقدَّس كالنصِّ القرآني مثلاً، إذ إن المؤوِّل - في مثل هذه الحالة - حذِرٌ شديد الحذر، ورِعٌ عظيم الورع، لا يتقحَّم، ولا يتجرَّأ، ولا يندفع من غير بصرٍ ولا رويَّة. إنه مطالبٌ أن يكونَ عالماً مطَّلعاً على عوالم النصِّ الداخليَّة والخارجيَّة، متمثِّلاً ذلك في فهم دلالة اللفظ القرآني، ومعرفة أُسلوب هذا الكتاب السماويِّ - الذي هو على أسلوبِ العرب وطرائقِهم في التعبير - معرفةً دقيقة عميقة، ثم كذلك في معرفة الخارج متمثِّلاً في مناسبة النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكيِّ والمدني، والمحكَم والمتشابه، وما شاكلَ ذلك من ملابسات متعدِّدة.
ـــــــــــــــــــ
[1] د. غسان السيد، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية (العدد: 43، 1419هـ/1989م) .
[2] العمدة، لابن رشيق: 2/93.