فهرس الكتاب

الصفحة 3409 من 19127

وهذا المخاطَب هو جزء هامٌّ من الأساس الذي بُنيت عليه البلاغة العربيَّة، وعُرِّفت به، حتى قالوا: (( البلاغة هي مراعاةُ مقتضى الحال ) )، والمخاطَب هو الرُّكن المكين في (( مقتضى الحال ) )، بل إن بعض الدارسين لا يصرف الحال إلا إلى المخاطَب، حتى كان يقال أحياناً: (( لكلِّ مخاطَب مقال ) )، وما أكثرَ ما نُقِد القائل لأنه لم يراعِ المخاطَب، ولم يعرف حاله! وما أكثرَ ما طُلب منه أن يكونَ من جماليات كلامه إنزالُ القول على قدر المخاطَب، بل تغييرُ ما قيل حتى يتناسَب معه.

وفي باب ما سمَّاه ابن رشيق (( باب الاتِّساع ) )في معاني الشعر وكثرة دلالاتها، وتنوُّع القراءات فيها، نجد الربط الوثيق بين قوَّة ألفاظ الشعر التي تجعلها محمَّلة بطاقةٍ هائلةٍ من الدلالات، وبين القارئ القادر على استنباط ذلك.

يقول ابن رشيق: (( يقول الشاعر بيتاً يتَّسع فيه التأويل، فيأتي كلُّ واحد - أي من القرَّاء - بمعنى.. ) ) [2] .

ويقول البغداديُّ كذلك في مثل هذا الربط والتأكيد على دور القارئ المؤوِّل، وحضوره الباهر في هذه العمليَّة: (( وإنما الكلامُ إذا كان قوياً.. احتمل لقوَّته وجوهاً من التأويل بحسب ما تتحمَّل ألفاظُه، وعلى مقدار قُوى المتكلِّمين فيه... ) ) [3] .

وها هو ذا المتنبِّي يتحدَّث عن دور القارئ في فَهم شعره وتأويله، فيقول:

أنامُ مِلْءَ جُفوني عَن شَوارِدِها ويَسهَرُ الخَلقُ جَرَّاها ويَختصِمُ

بل هاهو ذا المتنبِّي يمضي إلى أبعدَ من ذلك، فيجعل متلقِّي شعره، إذا كان (( قارئاً عارفاً ) )مثلاً - بتعبير نظرية التلقِّي الحديثة - أقدرَ على إدراك أسرار الشِّعر من الشاعر نفسه، وهو يقدِّر لهذا المتلقِّي ذلك، ويعترف به.

أُثِر عن المتنبِّي أنه سُئل عن شعره فقال: (( اسألوا ابنَ جنِّي، فإنه أعرفُ بشعري منِّي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت