قال الذهبي:"لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك لم يعمل بظاهر الحديث؛ لأنه رآه منسوخاً. وقيل: عمل به وحمل قوله:"حتى يتفرقا"على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث، له أجر ولابد، فإن أصاب، ازداد أجراً آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية [43] ، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعَوّل على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما - رضي الله عنهما - ولم يسندها الإمام أحمد فلعلها لم تصح" [44] .
يقول ابن تيمية:"وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صواباً في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم، إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم."
والدليل الشرعي يمتنع عن أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك، ولو كان العمل بهذا التجويز جائزاً لما بقي في أيدينا شيء من الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا، لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذوراً في تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك [45] .