وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه،قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الأناة من الله والعجلة من الشيطان ) )؛ رواه الترمذي برقم (2012) .
ويتبيَّن لنا أن الأناة ثمرةٌ لتوفُّر صفات كريمة في الإنسان، ومن أهمها: الحلم والصبر، وقد كان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدَ الحلماء، وسيد الصابرين.
عن أنس - رضي الله عنه - قال:"كنتُ أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرد نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أثَّرتْ بها حاشيةُ الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفتَ إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء"؛ رواه البخاري برقم (3149) ومسلم (1057) .
وفي هذا الحديث بيانُ حِلْمه - صلى الله عليه وسلم - وصبره على الأذى، والتجاوز عن جفاء هذا الأعرابي، وفيه بيانٌ لخُلُقه العظيم من الصفح والدفع بالتي هي أحسن.
قال القاضي عياض في كتابه"الشفا في حقوق المصطفى":"وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ، ولو دعوتَ علينا بمثلها لهلكنا من عن آخرنا، فلقد وُطِيء ظهرُكَ، وأُدْمِيَ وجهُكَ، وكُسِرتْ رباعيتُكَ، فأبَيْتَ أن تقول إلا خيراً، فقلت: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )".
قال القاضي:"انظر ما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم؛ إذ لم يقتصر - صلى الله عليه وسلم - على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم؛ فقال: (( اغفر ) )ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله: (( لقومي ) )ثم اعتذر عنهم بجهلهم؛ فقال: (( فإنهم لا يعلمون ) )" [3] .