هذا والمنتصر غالباً في الخصومات والمجادلات هو المتأني، والخاسر هو المتسرِّع، وهذا واقع ملموس.
من أجل ذلك وجدنا في كتاب الله ذمَّ العجلة؛ فمن ذلك قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]
يبدو أن الكفرة كانوا يستعجلون الآيات، وهذا قد ورد في أكثرَ من موضع من كتاب الله، فذكر ربُّنا أن الإنسان مخلوق من عجل، وهدَّدهم سبحانه بأنه سيريهم آياتِه المعجزات التي سيرونها، وهي تدلُّ على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جعل الله له من العاقبة المحمودة، وقد يراد بالآيات نِقماتٌ الله في الدنيا والآخرة. وعلى كل حال فهو ينهاهم عن الاستعجال.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11] .
ويدعو الإنسان على نفسه بالشرِّ إذا ما أصابته مصيبةٌ من فقر أو مرض.. يدعو على نفسه بالشر كما كان يدعو لها بالخير؛ وذلك لأن الإنسان بفطرته عجول: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} ؛ فعليه أن يغالب ذلك، ويتصف بالأناة.
ومن أجل ذلك ورد في الحديث الصحيح أن الله - تبارك وتعالى - يُحِبُّ الأناة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشجِّ عبد القيس: (( إن فيك خَصْلَتين يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ والأناةُ ) )؛ رواه مسلمٌ برقم (17) ، والتِّرْمِذِيُّ برقم (2011) ، ورواه أبو داود عن زارع - وكان في وفد عبد القيس - برقم (5225) .
ومن أجل ذلك كانت التُّؤَدَة - وهي الأناة - جزءاً من النبوة، كما جاء في حديث عبد الله بن سَرْجِس المزني رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( السَّمتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة ) )؛ رواه الترمذي برقم (2010) .