فأخذ الأمير يتابع حركاته في السوق، فكان هذا الحمَّال إذا انتصف الضحى، ترك السوق، وخرج إلى ضفاف دجلة، فتوضأ وصلى ركعتين، ورفع يديه إلى الحي القيوم.
سبحان مَنْ يَعْفُو وَنَهْفُوا دَائِماً وَلَمْ يَزَلْ مَهْمَا هَفَا الْعَبْدُ عَفَا
يُعْطِي الَّذِي يُخْطِي وَلا يَمْنَعُهُ جَلالُهُ عَنِ الْعَطَا لِذِي الْخَطَا
سبحان من اتصل به الفقراء والمساكين، سبحان من التجأ إليه الضعفاء والمظلومون، سبحان من عرفه الفقراء، وحُجب عنه كثير من الأغنياء والوجهاء.
عرفه الذي في الخيمة، وعلى الرصيف بيده كسرة الخبز، ولم يعرفه الذي في القصر الشاهق، والمنصب العالي، والمنزلة الرفيعة.
أخذ الأمير ينظر إلى هذا الرجل، فكان إذا صلى الضحى، عاد إلى عمله، فعمل حتى قبيل الظهر، ثم اشترى خبزة جافة بدرهم، فيأخذها إلى نهر دجلة، فيأتي إلى النهر، فيبلّ كسرة الخبز بالماء، ويأكلها، ثم يشرب من الماء، ويحمد الله - عزَّ وجلَّ - ثم يتوضأ لصلاة الظهر، فإذا صلى، جلس فدعا الله - عزَّ وجلَّ - وابتهل وبكى، وناجى الحي القيوم، ثم ينام ساعة، وبعد النوم ينزل إلى السوق، فيعمل ويجتهد، ثم يشتري خبزاً ويذهب إلى بيته.
وفي اليوم الثاني يعود إلى نفس العمل، وهكذا في اليوم الثالث والرابع، إلى أيام كثيرة.
فتعجب الأمير من ذاك الرجل، وأصرّ على أن يعرف قصته، فأرسل جنديّاً من جنوده إليه؛ ليستدعيه إلى القصر، فذهب الجندي، واستدعى الحمَّال، فقال الحمَّال: ما لي وملوك بني العباس، ليس بيني وبين الخلفاء صلة، ليست لي قضية ولا مشكلة، ولا مهمة، إن أشكل عليّ شيء رفعته إلى الحي القيوم، إن جعت أشبعني الله، وإن ظمئت سقاني الله، ما عندي دار، ولا عقار، ولا أرض، فقال الجندي: أَمْرُ الأمير، لابد أن تحضر اليوم في قصر أمير المؤمنين. فظن المسكين أن الأمير سوف يحاسبه أو يحاكمه، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل!!