ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئًا كثيرًا ذلك لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوبًا إليه فإن ذلك ادعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري رحمه الله.
ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري رحمه الله ذكر في مقدمة (( مختصره ) )نهجًا علميًا دقيقًا فقال:"واذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه" [307] .
ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرّج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق رحمه الله فعلى الرغم من أنها في غاية الانجاز فإنها كذلك مأخوذة غالبًا من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.
أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئًا، ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره.
ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجًا واضحًا في الترقيم.
فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقمًا كما في الحديث 769 وقد نقل فيه رأيًا لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) [308] والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقامًا يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإن أن يكون الترقيم تابعًا لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعًا للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعًا لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة.