فهرس الكتاب

الصفحة 3040 من 19127

والدَّرس المهمُّ في سيرة هذا الإمام: التورُّع عن الشبهات، والبُعْد عن الحرام. ووالدُ البخاري كان أيضًا متورِّعًا عن الحرام. وجميع ما خلَّفه لأهله كان مالاً حلالاً، لا شبهة فيه ولا حرام؛ فقد قال عند موته:"لا أعلم من مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة" [35] . فكان بناءُ جسد ابنه من خالص الحلال؛ فاستحقَّ أن يكون إمامًا.

يا ترى لو أن جسد ابنه بني منَ السُّحْت والحرام، أيكون أمير المؤمنين في الحديث، ويوفَّق لتصنيف"الجامع الصحيح"؟! لا أظنُّ ذلك؛ لأن كل جسدٍ نَبَتَ من حرام؛ فالنار أوْلَى به، ولا يكون التَّوفيق والتَّسديد إلاَّ لأولياء الله تعالى، وأولياء الله لا يواقعون الشبهات، ولا يتخوَّضون في الحرام.

إن الآباء يفرحون بصلاح أبنائهم ورفعتهم ومجدهم؛ لكنَّ كثيرًا منهم لا يتحرَّى في كَسْبه، ولا يتورَّع عن الشبهات والحرام؛ فيتغذَّى أولادهم على الحرام، ولا تكون الإمامة في الدين لجسدٍ نَبَتَ من حرام.

أيها الإخوة:

لو تأملنا في أعداد البشر الذين يترحَّمون على البخاري، ويستغفرون له منذ القرن الثالث الهجري وإلى اليوم؛ بل وإلى آخر الزمان - لعرفنا فضله ومنزلته. مدارس المسلمين وجامعاتهم، ودورُ الحديث وأربطةُ العلماء، ودروسُ طلاَّب العلم على مرِّ الزمان، يدرسون صحيح البخاري، وفي كل درسٍ يقولون: قال البخاريُّ - رحمه الله تعالى - بل آلات المطابع، وأصابع الرَّاقمات، وأزرار الحاسوبات، وأقلام المشتغِلين بالعلم تكتبُ: قال البخاري - رحمه الله تعالى -!!

إنه فضلٌ عظيمٌ، ومَنْقَبَةٌ كبرى، لا يمكن إحصاء مَنْ يقولها ويكتبها عبر التاريخ الطويل؛ ناهيكم عن أجر حفظ السُّنة، والاشتغال بالعلم، وفناء العمر في التعليم. كلُّ ذلك ناله هذا الإمام المبجَّل، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت