توفِّي - رحمه الله تعالى - ليلة عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتين وستين سنة [31] . وبوفاته - رحمه الله تعالى - طويت صفحةٌ من صفحات العلماء العاملين؛ لكن ضوءها لم يخفت؛ بل ظل يضيء الطريق للسائرين، غُرَّةً في جبين تاريخ المسلمين ورجاله الأفذاذ. ولو لم يكن من ضوئها إلا كتابُه"الصحيح"؛ لأضاء ما بين الخافقَيْن، وكان شاهدًا له إلى يوم الدين.
قال الطواويسي:"رأيتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقفٌ في موضع؛ فسلمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، فقلتُ: ما وقوفكَ يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري. فلما كان بعد أيام؛ بلغني موته؛ فنظرتُ فإذا قد مات في الساعة التي رأيتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها" [32] .
رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً، ورضيَ عنه، وجمعنا به في دار كرامته، ونفعنا بما نقول ونسمع، وأقول ماتسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَنِ اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى - عباد الله - فبالتقوى يُنال العلم والعمل: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] .
أيها المؤمنون:
سيرة الإمام البخاري تتحدث عن دروسها، فهي من الوضوح بما لا مزيد عليه؛ ولكن اللاَّفت للنَّظر: أنَّ هذا الإمام الذي خدم السنة والإسلام لم تكن معرفةُ أجداده بالإسلام إلا قريبًا من ولادته؛ إذ إنَّ جدَّ أبيه المغيرة كان فارسيًّا على دين قومه [33] ، عرف الإسلام فأسلم، فكان من عقِبِه هذا الإمام الكبير!!