ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإنّ المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث 886 وسنده: (حدثنا عبدالملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن اسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبدالله عن عبدالله بن مسعود... الخ..) .
قال أبو داود: (هذا مرسل: عونٌ لم يدرك عبدالله) [269] .
ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحيانًا أنّ هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث 1036 فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده:
(قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر إلا هذا الحديث) [270] .
وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظنُّ أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.
4 -التعريف بالأمكنة
ويشغل هذا المقصد حيزًا ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثًا موضوعيًا ميدانيًا - على التعبير الشائع - فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها.
وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بُضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال صلى الله عليه وسلم: (( الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء ) ). وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال:
(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألتُ قَيِّمَ بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.