أما الجملة الأولى في تلك الآية فهي قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} والآية التي قبلها تضمنت أن كل من في السماوات والأرض ساجد [104] لله فلزم الإِنكار على عبدة الأصنام والتوجه إليهم بهذه الجملة الآمرة بلفظ (( قل ) ). ولما كان عبدة الأصنام يقرون توحيد الربوبية [105] ناسب أن يأتي جواب الجملة الأولى على لسان محمد عليه الصلاة والسلام وهو قوله تعالى: {قُلِ اللهُ} . ولما بين الله سبحانه أنه الرب لكل المخلوقات ناسب أن يسألهم النبي: {قُلْ أَفَأتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} . ومن يعبد جمادات لا تنفع ولا تضر يكون كالأعمى الذي يعيش في الظلمات بخلاف من يهديه الله ولذلك ناسب أن يأتي بعد ذلك قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} ، ولما كان من البدهي أن الظلمة لا تساوي النور وأن العمى لا يساوي البصر فُهِمَ أيضاً أن الجاهل الذي يعبد جمادات لا تنفع ولا تضر لا يساوي العالم الموحد لله، لذا أكد الله سبحانه ما تقدم بالجملتين التاليتين {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} . وقد جاء قوله: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} متلائماً مع ما قبله لأن خالق كل شيء تلائمه وتثبت له صفة الوحدانية والقهر والقوة [106] .
الثاني: أن الجملة القرآنية تدل على معنى واسع يعجز عنه الناس بعبارات كثيرة، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [107] وقد سبق الحديث عن هذه الآية في مبحث الإِيجاز في القرآن.