فهرس الكتاب

الصفحة 2857 من 19127

فحاول طفلُنا أن يتقمَّصَ شخصيةَ العمِّ عبدِ الجبار، التي كان مما يميِّزُها صَلَعٌ امتد على معظمِ مَفرِقه.. لم يكن عمارٌ ليفهم أنه أمرٌ لا يَدَ للعمِّ عبدِ الجبارِ فيه!

فما كان منه بعدَ لقاءِ العمِّ عبد الجبار إلاّ أن دخلَ الحمامَ، على حين غفلةٍ من الأمِّ، ومعه آلة الحِلاقة، محاولاً أن يصنعَ صَلْعَةً جميلةً، كتلك التي صنعها العمُّ عبد الجبار!!

أخي القارئ الكريم! أجدُني مضطرّاً إلى التأكيد على أن ما ذكرتُه هنا حاصِلُ قصةٍ واقعيةٍ... ليس أُسُّها ضرباً من الخيال، بل هكذا صنعَ صغيرُنا، تقليداً لجارِنا العزيزِ؛ حلقَ رأسَه، لتكونَ له صلعةٌ كصلعته!

وغرضي من سردِ الخبرِ التنبيهُ إلى قضيتين؛ ينبغي أن نلتفتَ إليهما في تعامُلِنا مع الأبناءِ.. أما الأولى: فهي العنايةُ بدقةِ ملاحظتِهم، وسَعَةِ خيالهم، فلا تَحْسَبِ النَّظْرَةَ والهمسةَ والحركةَ تعزُبُ عنهم! ويغلط كثير من المربين والآباءُ يومَ يظنون أن ابنهم لا ينتبه إلى ما يقال. نعم! قد لا يُعلِّقُ الابنُ في ساعتِه، وقد يواصلُ لعبَهُ، وكأن شيئاً لم يكن؛ لكنّ هذا لا يعني أنَّ ما وقعَ غائبٌ عن مخيِّلتِه.

وأُذكِّر - بهذه المناسبة - أني وجدتُ ابنةَ بعضِ الفضلاء - ولها من العمر نحوُ سنتين - ترددُ وتقولُ:

الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ!

فَعلتْني وصاحِبي الدهشةُ؛ إذ البيتُ من ماجِنِ شعرِ امرئِ القيسِ في معلَّقتِه!! يقول:

وَيَومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ فقالتْ: لكَ الوَيْلاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي!

الأبيات..

وعندها قالَ أبوها مبيِّناً: كانتِ البنتُ بجواري، وكنت أحفظُ من المعلقةِ، وأرددُ بعضَ أبياتِها، فسمِعَتْ ذلك، وعَلِقَ بذاكرتِها!

وذاكرةُ الإنسانِ - على خلافِ الذواكر الحاسوبية - لا يتأتّى مسحُها؛ فانتبه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت