والمؤلف هنا بيّن الفرق بين الروايتين أثناء الحديث. وهذه الدقة دليلٌ على مدى الحرص في نقل حديث النبي بالتحري الخالص والأداء الأمين. وتلك خصيصة خص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فوق مجرد نقل أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه..
الاختصار
وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفّق لأننا نجده مقترنًا بالدقة البالغة والوضوح البيّن، وهذه خاصة من أهمّ الخصائص التي يمتاز بها كتاب (( السنن ) ).
-ومن مظاهر الاختصار ما مرَّ بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد.
-ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته:
(وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) [199] .
-ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث [200] رقم 34 فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقًا قال: (بمعناه) منبهًا على أنّ هناك فرقًا لفظيًا بين الروايتين لا يؤثر في المعنى.
-ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث 111 - 112 - 113 - 114...
ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء عليّ رضي الله عنه كما يلي: