وكان الناس إذا غاب غائبهم في رحلة حج أو تجارة أو طلب علم لا يصلهم خبره إلا بعد أشهر أو سنوات بكتاب يبعثه إليهم، أو من رآه يخبر عنه، ولا وسائل للاتصال غير ذلك؛ حتى عقد الفقهاء أبوابا في الفقه للغائب وأحكامه إذا انقطعت عن أهله أخباره.
أما الآن فيتصل بهم، ويتصلون به متى أرادوا، فيسمعون صوته، ويعرفون أحواله، وإن شاءوا رأوه عيانا وهو يكلمهم، وما عاد للبريد والرسائل قيمة تذكر أمام هذا الفتح العظيم من وسائل الاتصال، حتى إن الأجهزة الحديثة تظهر صورة المتصل، وتدل على مكانه، وهذا أيضا من تقارب الزمن، فوقع على ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.
ومن معاني تقارب الزمان: سرعة الأيام والشهور والأعوام، فما تشرق شمس يوم إلا وتغرب، ولا يَهل شهر إلا ويدبر، ولا تبتدئ سنة إلا وتنقضي سريعا، وقد نزعت البركة من الأوقات والأرزاق والأعمار.
لقد أدرك الناس أزمنة قريبة كانوا ينجزون في يومهم وليلتهم أعمالا كثيرة يعجزون اليوم عن إنجازها في أسبوع كامل، وكانت أرزاق الناس قليلة جدا ولكنها كانت تكفيهم، ويتصدقون منها ويدخرون، فلما اتسعت أرزاقهم، وتهيأت لهم سبل المواصلات والاتصالات، وتتابعت النعم عليهم نزعت البركة من أوقاتهم وأرزاقهم.
ومن نظر إلى العلم الذي خلفه أسلافنا علم أن الله تعالى قد بارك في أوقاتهم وأعمارهم، وكثير منهم كان ما كتبوا من صفحات يزيد على أيام حياتهم منذ ولادتهم إلى وفاتهم.
ومع ذلك فإن شراح هذا الحديث في القرون السالفة أخبروا أن تقارب الزمان، وقلة البركة في الأوقات والأعمار قد وقع في أزمانهم، وكأن ذلك يتسع يوما بعد يوم، وكلما تقدم بالناس زمان اشتدت قلة البركة، حتى يكونوا أقل بركة ممن كانوا قبلهم؛ وسبب ذلك كثرة المعاصي، والإعلان بها.