ويصور الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أتم البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: (( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية [من زواياه] فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) ) [17] .
ودعوته ناسخة للرسالات السابقة:
وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أرسل من عند الله تعالى بدين بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين كافة، وختم الله به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لهذا الكمال ولتمام النعمة أنه تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في طاعتها واتباعها - مع الإِيمان بأصولها المنزلة - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع.
فكل ما جاء به الأنبياء السابقون وعرضوه على الإِنسانية ودَعَوْها إلى اتباعه، قد نُسخ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وما من شك أن الإِيمان بنبوتهم وصدق دعوتهم على وجه الإِجمال لازم لابد منه، إذ ما كانوا إلا دعاة إلى الإسلام، وما التصديق بدعوتهم إلا تصديق بالإسلام ولكن، مع ذلك، فقد انقطعت عنهم صلة الإنسانية في طاعتها واتباعها فعلاً، وإنما ارتبطت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتعليمه وأسوته الحسنة ؛ لأن الذي يقتضيه المبدأ:
أولاً: أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى الناقص بعد أن جاءها الكامل.
وثانياً: أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بسيرة وتعاليم الأنبياء السابقين [18] مما لم يعد من الممكن، لأجله، أن تتبعهم الإنسانية فعلاً.
ومن هنا، فإن القرآن الكريم حيثما يأمر بطاعة الرسول واتباع أحكامه وأوامره، لا يأتي بكلمة (( الرسول ) )و (( النبي ) )إلا معرّفتين بالألف واللام - لتكونا خاصتين بمحمد صلى الله عليه وسلم [19] .