مما تقدم، يتضح أن النتائج تثبت خطأ كل إفتراضات البحث عدا الإفتراض الذي يقيم علاقة عكسية بين التدين والتوجه نحو المستقبل. بل لقد وجدنا أن معامل الإرتباط بين هذين المتغيرين ضعيف للغاية. وعلى هذا فإن الإسلام معبراً عنه بالتدين لا يمارس تأثيراً سلبياً على التنمية. وفي ذلك ما يدحض أو يتحدى المقولة التي تحمّل الإسلام مسؤولية التخلف الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية وتراه عائقاً في طريق تطورها الشامل.
غير أن النتائج من ناحية أخرى، لا تثبت أن الإسلام، في ضوء تعريفنا الإجرائي له، يؤثر إيجابياً على التنمية، وهو الأمر الذي يشكك في مقولة الذين يرون أن الإسلام يقف في صف التنمية يحض عليها ويفضي إليها. فكأن التدين، بوصفه الصياغة العملية لمفهوم الإسلام، عامل محايد في علاقته بالتنمية لا يعيقها ولا يساعدها. هذه النتيجة تفرض التساؤل عن كيفية تفسيرها.
لابد من التنويه إبتداء إلى صعوبة التفسير، وبالتالي فإن ما نطرحه بهذا الخصوص لا يعدو كونه ضرباً من الإجتهاد. يبدو أن الدين في القرية المصرية قد إستحال إلى مجموعة طقوس وشعائر. فلم يعد يتخلل حياة الناس ويوجه سلوكهم. صحيح أن الفلاح يحب الثرثرة في أمور الدين ويؤدي طقوسه كلها أو بعضها. وصحيح أيضاً أنه قد يغضب إذا سمع أو قرأ أو شاهد ما يتصوره خروجاً على الدين، غير أن هذا شيء، وأمور المعاش شيء آخر. فعلى مستوى النظر أو القول أو الوعي، يغلب ألا يفصل الفلاح بين الدين والدنيا، بينما يفصل بينهما على صعيد العمل أو اللاوعي. هو بعبارة أخرى يرفض العلمانية قولاً، ويطبقها عملاً. قد يصلي بإنتظام أو لا يصلي مطلقاً. قد يصوم رمضان أو يفطر دون عذر شرعي، قد يزكي أو لا يزكي. قد يعلم من أمور دينه كثيراً أو قليلاً. ولكن هذا كله وغيره يدخل في دائرة علاقته بربه ولا شأن له بتوجهاته أو سلوكه التنموي.