ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن أبا داود كان من السابقين إلى التأليف في هذا المجال؛ ذلك لأن مجرد اختلاف العلماء في كونه أول من صنّف في السنن يدل بوضوح على سبقه في ذلك الصدد.
ومن الصعب دائمًا الجزم بالأوليات، ويغلب على من يتشدد ويذهب مذهبًا معينًا في الجزم يغلب عليه أنه يقع في الغلط.
ويذهب الخطابي إلى أن أبا داود لم يُسبَق إلى الإجادة في جمع السنن فقال:"فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود" [113] .
وقال الخطابي أيضًا:"وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا ما، سبقه إليه ولا متأخرًا لحقه فيه" [114] .
ثناء العلماء على السنن
لن أستطيع الحصر ولا الاستقصاء لو أردت أن أذكر كل ما قيل في الثناء على هذا الكتاب العظيم ولذلك فسأكتفي بإيراد بعض الكلمات لأشهر العلماء:
-قال أبو زكريا الساجي:"كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب (( السنن ) )لأبي داود عهد الاسلام" [115] .
-وقال محمد بن مخلد:"لما صنف أبو داود (( السنن ) )وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ فيه" [116] .
-وقال ابن الأعرابي وأشار إلى النسخة وهي بين يديه:"لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلى المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بته" [117] .
وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال:
(وهذا - كمال قال - لا شكّ فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء وقال: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدين لم يتضمن بيانَه الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين: