وقد تكرر هذا الإنقسام في تقييم السياسات الأميركية تجاه السادات أيضاً، غير أن الأصوات التي وجهت إنتقاداً علنياً لمسلكياته وإجراءاته كانت محدودة، بالرغم من المعرفة الكاملة لسلبياته وسلبيات نظامه، والفوائد العملية الهائلة التي جنتها أميركا من جراء صداقتها للسادات، أغمضت العيون عن شتى تجاوزاته، وفيما عدا بعض الأقلام التي أثارت بعض الملاحظات الهامشية عن الفساد وقمع الحريات والعزلة التي بدأت السلطة تعاني منها، خاصة في مطلع الثمانينيات، فلقد تواطأت أجهزة الإعلام الغربية - والأميركية بالذات - على تغطية كافة عيوب النظام ورمزه، السادات، وأطنبت في تمجيده، مسبغةً عليه صفات (( فوق بشرية ) )، وتصاعدت هذه النغمة بعد عودته من القدس المحتلة وتوقيعه لإتفاقيات كامب ديفيد، وما تبعها من نتائج.
لكن بعد إغتيال السادات، بدأت أصوات كثيرة تحذِّر الولايات المتحدة من مغبة الإعتماد الضيق النطاق - في مصر - على رجل فرد، مهما كان هذا الرجل (( غير عادي ) )، وقد ذكر هنري ف.جاكسون - أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا - في (( اللحظة التي وقع فيها السادات معاهدة كامب ديفيد، كانت الولايات المتحدة قد دخلت مجال إستثمار زعامة السادات الشخصية، وليس زعامة مصر، ومنذ ذلك الوقت، تحولت العلاقة الأميركية - المصرية، إلى علاقة بين حكومة الولايات المتحدة وبين السادات، وكانت النتيجة أن السياسة الأميركية، أصبحت معتمدة أكثر على مصر السادات، ومعتمدة أقل على الزعامة المصرية كمؤسسة تستطيع أن تحمي مصالح الولايات المتحدة بعد وفاته ) ) [32] .
ويطرح هنري ف.جاكسون مجموعة (( أولويات السياسة الأميركية، وسط هذا الغموض الخطير الذي يلف مرحلة ما بعد السادات ) )، على النحو التالي: