لذلك تلقى المسؤولون في البيت الأبيض قرار بريطانيا بالإنسحاب من شرق السويس في موعد أقصاه العام 1971م، بمزيج من عدم الإرتياح والتوجس لما سيترتب عليه من فراغ عسكري يوقع المنطقة بأسرها في قبضة الأطماع السوفياتية. هذا في الوقت الذي يناهض فيه الرأي العام الأميركي - وذكريات فيتنام الأليمة ما زالت ماثلة حية في أذهانه - أية محاولة من جانب حكومته للحلول محل بريطانيا في الخليج. وهو ما عبر عنه السناتور (( مايك مانسفيلد ) )زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك - عندما قال معقباً على القرار البريطاني بالإنسحاب (( إني أشعر بالأسف العميق لاضطرار بريطانيا تحت وطأة أزمتها الاقتصادية، للإقدام على مثل هذه الخطوة، ومبعث أسفي توقعي بأن نطالب بالحلول محلها لملء الفراغ في شرق السويس. هذا في الوقت الذي لا نملك فيه سواء الموارد أو الرجال اللازمين للاضطلاع بتلك المهمة الشاقة ) ) [2] .
وانطلاقاً من هذا اليقين سعت السياسة الأميركية في الخليج إلى إقامة توازن وتوافق ما بين إهتمامها الفعلي بأمن المنطقة من جهة، وحرصها الأكيد على عدم الزج بنفسها مباشرة في أية ترتيبات تكفل هذا الأمن من جهة ثانية، وذلك وفق حتميات مبدأ الرئيس نيكسون الذي سبق له طرحه خلال خطاب ألقاه في جزيرة غوام - العام 1969م - ومفاده فك إرتباط الولايات المتحدة المباشر بالمشكلات العالمية مع عزوفها عن تقديم الرجال والمال والسلاح للحفاظ على الأوضاع الدولية القائمة، بما يعني ضرورة تحمل الآخرين لمسؤولياتهم الدولية والإقليمية، وإن لزمت الإشارة إلى أن (( مبدأ نيكسون ) )لا يعني إحياء للعزلة الأميركية التقليدية ولكنه في جوهره نبذ لسياسات التدخل العسكري المباشر، مع ضمان المصالح الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة عن طريق دعم الأنظمة الحليفة والصديقة التي تلعب دور الحامي لتلك المصالح [3] .