فهرس الكتاب

الصفحة 2425 من 19127

لكن ألف الناس أن يسمعوا عن الاستبداد في الحكم والسياسة خاصة، فظل مفهوم الاستبداد حكرا على الحقول السياسية عامة، واشتهر على الألسنة مصطلح"الاستبداد السياسي"، بل كلما ذكر الاستبداد في أي خطاب، فلا يراد منه غالبا إلا هذا اللون اللصيق بالحكم وأنظمته، مع العلم أنه قبل أن يكون الاستبداد نتيجة لغلو أو تهاون في الشأن السياسي، فهو أصلا ومنطلقا غلو أو تهاون في الشأن الديني.

فلا يمكن للمتتبع لحركة وتطور واقعنا الحالي أن ينكر أن بعض الهيئات والجمعيات والأحزاب، سواء منها الدينية أو السياسية، تمارس عن علم أو غير علم نوعا من الاستبداد الفكري والثقافي ذي الطابع الديني، لكن الكاتب رأى لأسباب منهجية وموضوعية، أن ينخرط في البحث ضمن حدود التنقيب عن جذور الصراع الديني العلماني في عصر النهضة بأوروبا كي يقدم أنموذجا ثريا عن الاستبداد الديني، ليس فرارا من الواقع، ولكن اقتضت منهجية البحث الميداني والتحليلي إضفاء الأولوية على الاهتمام بجذور وأسباب الظواهر الاجتماعية والفكرية والسياسية، والبحث عن أصولها التاريخية، قبل الغوص في تطوراتها المعاصرة.

كما أن تحديد المجال زمانا ومكانا في هذا الموضوع الشائك يقتضي اختيارا وترتيبا يسمح باستخلاص نتائج مرضية وثرية يمكن الاستفادة منها في معالجة الواقع المعاصر الفسيح الأرجاء الكبير التعقيد. فليست الغاية الحصول على دلائل وقرائن لاتهام هذا الطرف أو ذاك من السلطة الدينية أو الهيئات والشخصيات المنتسبة للدين بممارسة الاستبداد، ولكن ظلت غاية الباحث إقناع القارئ عبر أنموذج تاريخي بأن الاستبداد الديني هو الأخ التوأم للاستبداد السياسي، إن لم يكن هو الأم له رحما أو رضاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت