فهرس الكتاب

الصفحة 2417 من 19127

والصيداوي رجل قضية.. إنها اللغة العربية.. همُّهُ وسَدَمُهُ ونجواهُ ورجواهُ.. رافقها وصادقها.. فلانت له.. وسمَتْ به.. رضع لبانها مع لبان أمه.. وحفظ كتابها وهو غضُّ العود طريّه.. فأتقنه ورتّله.. وحباه الله عذوبة في الصوت وزيادة في الحلق ومزمارًا من مزامير داود فتغنّى بالقرآن وحبّره.. فهفت إليه الأفئدة.. وتلذَّذت بسماعه الآذان وتصدَّر للقراءة والترتيل.. وطار صيته بين الناس.. حتى وصل أمره إلى رئيس الجمهورية السورية الشيخ تاج الدين ابن الشيخ بدر الدين الحسني فاستقدمه واستمع إليه وأكرم وفادته وعينه مقرئًا في الإذاعة السورية الناشئة آنذاك.. فكان أول وأصغر من قرأ فيها القرآن ببثٍّ مباشر حيٍّ يخرج من فم الصيداوي لتتلقفه الآذان في كل مكان!

وهكذا حذق الصيداوي القرآن وأتقنه، ثم جمع إلى إتقانه نصوصًا من نهج البلاغة كان يحفظها عن ظهر قلب ويتصدر لإسماعها الناس على ملأ في البيوتات والحسينيات وفي الأمسيات والاحتفالات.. فكانت له مع القرآن نعم الزاد في مسيرته اللغوية التي لم تتوقف إلا مع آخر نفس في حياته.

قال لي مرة: ما نفعني شيء في حياتي كما نفعني القرآن الكريم إنه كالكلاشنكوف (البندقية الروسية) فما هو إلا أن أضغط الزناد حتى تأتي الاستجابة رشًّا.

أجل فقد أسَّس الصيداوي رحمه الله بنيانه اللغوي ومعرفته العربية على أساس متين آتى أكله طيبًا بإذن ربه. إذ فتح عينيه على أجمل نصوص العربية فخلبَتْه وفتنَتْه وانطلق يطلب المزيد، ويعبُّ من روائع بيان السماء وبدائع بيان الأرض بعد السماء، فكان من أدرى الناس بمواطن السجود ومواضع الإعجاز والإعجاب.

ويا طالما حدثنا عن إعجاب الفرزدق ببيت عدي بن الرقاع العاملي:

تُزجي أغنَّ كأنّ إبرةَ روقِهِ قلمٌ أصاب من الدواة مدادَها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت