2 -موقفنا من الدين: كان لإقبالنا الشديد على قراءة آداب الغرب ونقلها إلى لغتنا أثر سيء في حياتنا العقلية الحديثة، ما لبث أن أصابها بالانحراف، فلقد أخذنا عنهم فيما أخذنا موقفهم من الدين، والتقطنا نظرتهم المادية إلى الحياة، وموقفهم من الدين يختلف إختلافًا جسيمًا عن موقفنا نحن - فإن الدين الإسلامي يرتبط كل الارتباط بالفكر، وقد قامت حول القرآن أركان اللغة والأدب والفقه والمنطق والتصوف والفلسفة جميعًا بحيث تعد هذه العلوم كلها تفريعات لعلم القرآن ترتكز إليه وتدور حوله. لا بل أن طلب العلم ونشره قد بقي هو نفسه واجبًا دينيًا مفروضًا يؤديه الطالب والعالم قربى إلى الله. ومن ذلك أن النحوي العلامة ابن مالك كان يخرج ويقف على باب مدرسته ويقول (هل من راغب في علم الحديث أو التفسير؟ قد أخلصتها من ذمتي) ، فإن لم يجد راغبًا أو طالبًا قال (خرجت من آفة الكتمان) وتفسير ذلك أن العربي كان يعتقد أن الله حقًا (فيما استودع العلماء من فهم وعلم وأنه أخذ عليهم البيان) (( صورة معدلة من عبارة لعبدالعزيز بن يحيى الكناني(الحيدة) تحقيق جميل صليبا ))فلا يصح لهم السكوت عن نشر العلم وإظهار الحق وتعرية الباطل.
أما في أوروبا فإن الدين يتصف بشيء من الانعزال عن الحياة فلا يرتبط بالأدب والفكر إلا من بعيد، فالغربي يعد الدين لله، والأدب للحياة، وكأن الحياة نفسها ليست لله، كما يعتقد العربي. ولذلك الموقف سببان إثنان:
(الأول) : أن المسيحية بتقريرها لقيام الخطيئة الأولى وبدعوتها إلى التكفير بالرهبنة والامتناع عن الزواج، قد احتفظت بنظرية مثالية لها جمالها غير أنها عسيرة التطبيق. ولذلك بعد الدين عن الحياة بعدًا طبيعيًا وهو أمر لم يعرفه المجتمع المسلم حيث الدين يجعل الزواج سنة مفروضة.