إن الكثيرَ مِن عباقرة التاريخ على امتداده، والكثيرَ مِنَ الحضاراتِ والأُمَم الناهضةِ لا تَعرِف في حياتها الإجازةَ أو الفراغَ، وإذا ما انتهى العامُ الدارسيُّ وأَقْبَلَ ما يُسَمُّونه الإجازةَ هُرِعوا إلى أعمال أُخرى، ونشاطات جديدة غيرِ ما سَبَق، وهكذا طَبَقٌ عن طَبَقٍ، حتى غَيَّروا وطَوَّروا... وأَجادوا وأَفادوا... وعلا شأنُهم في الأُمَم، وذَكَرَهُمُ التاريخُ فيمَن عنْدَه؛ فإنه الوقت الذي مَتَى ما نظر إليه بأنه الحياة دَفَعَ ذلك إلى الاهتمام به، والتفكيرِ في الاستثمار الأفضل له.
الوقتُ.. والهدفُ:
إذا كانَتِ الأُمَمُ والمجتمَعاتُ مُجْمِعةً على أهميَّة الوقت وأثره الكبير في النهضة والتقدُّم والرُّقيِّ لها؛ فإنها - أي: الأُمَمُ والمجتمَعات - تَختَلِف في نظرتها إليه، وطريقة الاستفادة منه.
فالمسْلِم يَتَميَّز بنظرته للوقت، وكيفية استثماره له عن غَيْره مِن الناس في أُمَم الأرض الكافرة الكثيرة.. الذين لا يُؤمِنون بالآخرة، ولا بالجَنَّة والنار؛ فهُمُ الذين يُسخِّرون كُلَّ أوقاتهِم وأعمارهِمْ لأَجْل دُنياهم وحَسْبُ، وهم كما قال الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] . أو كما قال قائلهم يُلخِّص نظرتهم للوقت والحياة:
خَذْ مِنَ الدُّنْيَا بِحَظٍّ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ عَنْهَا
فَهْيَ دَارٌ لَسْتَ تَلْقَى بَعْدَهَا أَطْيَبَ مِنْهَا
المسلم مُتمّيِّز بنظرته للحياة؛ فهي مُنبثِقة مِن عقيدته وإيمانه؛ فهو المُتيقِّن يَقِينًا لا يُداخِلُه شكٌّ أن الدنيا عَمَلٌ والآخرةَ جزاءٌ، أن الدنيا تَحصِيلٌ والآخرةَ استيفاءٌ، والسَّعِيد مَن أطاع اللهَ والشقيُّ مَن عَصاهُ.
هو يَعلَم حقَّ العِلْم، ويُدرِك تمامَ الإدراك أنه ما خُلِقَ في هذه الدنيا إلا لعبادة الله؛ فهي الغاية مِن وُجوده.