وهنا تأتي قيمةُ المهارة التي تعلمنا إياها الآيةُ القرآنية، التي تأمرُنا بأن نعزل مشاعرنا التي نحملها تجاه الأشخاص والأشياء عن أسلوب تعاملنا معهم، وتطلب منا أن نراقبَ تأثيرَ مشاعرنا السلبية على قراراتنا وسلوكنا، وهذا تماماً ما يأمرُ به الشارع في مواضعَ وأمثلة أخرى، فنحن نعلم أن القاضي مأمورٌ ألا يحكم بين الناس وهو غضبان كما ورد في الأحاديث الشريفة حتى لا يؤثرَ شعورُه بالغضب في حكمه بين الناس بالعدل. وهذا ما ينطبق على الكثير من المهن الأخرى؛ فالمدرس مثلاً مأمور بأن يعدل في تقدير درجات طلابه حتى لو كان غاضبًا من مديره أو من أي شخص آخر، وكم رأينا من المدرسين مَن يضع غضبه وحنقه من عمله في طلابه..!!
وهذا الأمرُ ينطبق أيضًا على طابع الإدارة المنتشر في عالمنا العربي الذي يتسم بـ (المزاجية) ؛ فالمديرُ عندنا يعملُ حسب حالته النفسية.. ففي ساعات الرضا، تحل البركات والخيرات والنعم، أما لو عكّرت زوجتُه -لا سمح الله!- في المساء هذا المزاج، فسيدفعُ الموظفون ثمنَ ذلك في اليوم التالي غالياً.. إذ يعلو الصياحُ، وتكثر العقوبات، ويصبح رفض أي طلب هو الأساس. ولذا كان لزاما على الموظف -والحالة هذه- أن يتقن اختيارَ الوقت المناسب للمطالبة بحقوقه! فلا بد أن تسأل: (كيف مزاجُ المدير اليوم.. راضي.. ولا ما هو راضي.. يعني أقدم على إجازة اليوم أو أؤجلها ليوم غد!) . إنه إخفاق نفسي كبير.
ختاماً:
القدرةُ على مراقبة مشاعرنا السلبية وعزل تأثيرها على سلوكنا وقراراتنا هي مهارة ضرورية للنجاح.. أقول: هي مهارة، وهذا يعني أنها لا تنمو إلا مع الوقت والممارسة والتدريب وقبول الإخفاق مرات ومرات.
وفقنا الله جميعاً لما يرضيه.