لم ننتظر إذنًا بالتصوير أو نلتمس إلى ذلك سبيلًا وإنما عكفنا عليه ناسخين حتى أتينا عليه جميعًا من الجلدة إلى الجلدة ثم عارضنا ما نسخنا، حتى إذا ما تم لنا كل ذلك التفتنا نبتغي التصوير ونسعى إليه سعينا ملتمسين كل سبيل يمكن أن يوصلنا إليه.
سلمنا ما بأيدينا من رسائل محفوفة بالهدايا والتحف إلى مدير المكتبة وإلى القنصلية في اصطنبول فلم يُجدِ ذلك شيئا، وسعينا عند أساتذة أجلاء تعرفنا إليهم هناك فلم تُغنِ معرفتهم فتيلًا.
وصادف أن لقينا الأستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد في السليمانية، ولم نكن نعرفه، وإنما دلنا عليه اسمه وقد كُتب على محفظة تكاد تحيلها السنون إلى مخطوطة لكثرة ما عانت من صحبة المخطوطات، اقتربنا منه على وجل وسألناه التعارف والمصاحبة فبذلهما لنا، ورأيتنا نكتنفه متوسلين أن يمدَّ لنا يد العون في تصوير المخطوط فما زادنا غير يأس وقنوط، بل راح يقرِّعنا لأننا لم نستمع إلى نصحه حين أرسل إليه شيخنا النفاخ يسأله عن تصوير المخطوطات في مكتبات تركية. وأكد لنا أن تصوير صفحة واحدة من مخطوطات السليمانية أمر محال.
لم نتوقف في أثناء ذلك عن البحث في فهارس المكتبة وهي كثيرة تبلغ بضعة وتسعين فهرسًا - استعرضناها واحدًا واحدًا، فحظينا بعدة رسائل في التعمية كان أهمها على الإطلاق"رسالة الكندي في استخراج المعمى"تلك الرسالة التي جعلتنا نعيد تاريخ علم التعمية خمسة قرون إلى الوراء، لأن صاحبها يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب المشهور توفي في القرن الثالث للهجرة (260هـ) .
وكان مما عثرنا عليه مجموع يشتمل على ثماني رسائل في التعمية، والحق أن شيخنا النفاخ - عليه رحمات المولى سبحانه - كان قد حصل على مصورة عنه من صديقه المؤرخ العلامة التركي المعروف د. فؤاد سزكين. ولكن فيه ورقةً ناقصة استدركناها من الأصل الذي وجدناه في المكتبة السليمانية آنذاك.