فهرس الكتاب

الصفحة 17337 من 19127

وعلى الرغم من تطاوُل السنين، وتعاقب الأجيال، وترادف الأمم؛ فإننا ما رأينا أوصافًا ذكرت في القرآن لطائفة من الطوائف كانت في زمان دون زمان، أو اختص بها مكانٌ دون مكان.

إن القرآن حدثنا عن استكبار المشركين، وعلوهم على الناس، وفسادهم في الأرض، وقرأنا ذلك في السيرة النبوية، ثم طالعناه في القرون التالية مع الأمم الرومانية والفارسية والتترية وغيرها، وها نحن نشاهدُه في الحضارة المعاصرة بشقيها الشيوعي البائد، والرأسمالي المتساقط. ورأينا أن الكفر هو الكفر، والكافرين هم الكافرون، واستكبارهم هو استكبارُهم، وفسادهم هو فسادُهم، ما تغير وقد مضت السنون، ولا اختلف على الرغم من تطاول القرون.

وحدثنا القرآن عن النفاق والمنافقين، وأوصافهم وأخلاقهم، ومكائدهم ودسائسهم، فما رأيناها تغيرت عبر الأزمان، ولا اختلفت باختلاف الأوطان؛ لأن الذي وصفهم في القرآن هو خالقُهم، وهو - تبارك وتعالى - أعلمُ بدخائل نفوسهم، وأوصاف قلوبهم؛ فكان وصفه - سبحانه - لهم متوافقًا مع ما نقرؤه عنهم، وما نشاهده اليوم من أفعالهم، واقرؤوا إن شئتم أوائل سورة البقرة في ذكر المنافقين تجدوا أن الآيات لا تعدوا وصفهم وأفعالهم، التي نشاهدها في عصرنا هذا، مع أنها آيات نزلت في أوصاف منافقين كانوا قبل أربعة عشر قرنًا وزيادة !

فما اختلف وصفُهم في الحاضر عن وصفهم في الماضي، ولا تطورت أخلاق المعاصرين منهم عن أخلاق سابقيهم إلا أنها ازدادت خسة ومكرًا وضغينة على الإسلام وأهله.

يقول الله - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللهِ وَبِاليَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] . قال قتادة - رحمه الله تعالى:"هذا نعتُ المنافقِ. نَعَتَ عبدًا خائن السريرة، كثير الإخلاف، يعرفُ بلسانه، ويُنكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويُخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفُّؤ السفينة، كلما هبت ريح هب فيها" [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت