وحجَّ في العام الذي قُتل فيه، وسأل الله في حجَّته حُسْنَ الختام؛ فعن سعيدٍ بن المسيِّب - رحمه الله تعالى:"أنَّ عمرَ لما أفاض من مِنى، أناخ بالإبْطِحْ، فكوَّم كومةً من بَطْحَاءَ، وطرح عليها طَرَف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبرَتْ سنِّي، وضعفتْ قوَّتي، وانتشرتْ رعيَّتي؛ فاقبضني إليكَ غير مضيِّعٍ ولا مفرِّط". قال سعيد:"فما انسلخ ذو الحجَّة حتى طُعِنَ" [2] .
وخَطَبَ مرَّةً فقال:"رأيتُ ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي"، فما مرَّ إلا تلك الجمعة حتى طُعِنَ [3] .
وفي روايةٍ:"أن رؤياه عُبِّرَتْ بأنه يقتله رجلٌ من الأعاجم" [4] .
كان من سياسته - رضيَ الله عنه - أنه لا يأذن لسَبْيٍ بقيَ على كفره أن يدخل المدينة، أو يعمل فيها؛ حتى كتب إليه المُغِيرَة بنُ شُعْبَة - رضيَ الله عنه - وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده صانعًا، ويستأذنه في أن يدخله المدينة، ويقول:"إن عنده أعمالاً تنفع النَّاس، إنه حدَّادٌ نقَّاشٌ نجَّارٌ"؛ فأَذِنَ له، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائةً، فشكى إلى عمر شدَّة الخَراج، فقال له:"ما خراجكَ بكثيرٍ في جنب ما تعمل". فانصرف ساخطًا، فلبث عمرُ لياليَ، فمرَّ به العبد فقال: ألم أحدَّث أنكَ تقول:"لو أشاءُ، لصنعت رَحًى تطحن بالرِّيح". فالتفت إليه عابسًا فقال:"لأصنعنَّ لك رحًى يتحدَّث النَّاس بها". فأقبل عمر على من معه فقال:"توعَّدني العبدُ" [5] .
وفي حديث أبي رافع:"أن غلام المُغِيرَة أبا لؤلؤة المجوسي لقيَ عمرَ؛ فقال: إن المُغِيرَة أثقل عليَّ. فقال: اتَّق الله وأحْسِن إليه، ومن نيَّة عمر أن يلقى المُغِيرَة فيكلِّمه فيخفِّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ النَّاس عدله غيري. وأضمر على قتله" [6] .