مَنْ حافظ على أمر الله تعالى فإنه يَخْتِم شهوره وأعوامه بصالح عمله، ومَنْ خَتَمَ شهوره وأعوامه بالصَّالحات؛ خَتَمَ عمرَه بالصَّالحات أيضًا، ومَنْ كان مخلِّطًا يعمل صالحًا ويعمل سيِّئًا؛ فيُخشى عليه أن يُخْتَم له بالسُّوء، ومَنْ كان لا يعمل إلاَّ السُّوء؛ فهو هالكٌ، إلاَّ أن يتوب قبل أن يموت.
ومن عباد الله الصالحين مَنْ تتزاحم عليه الأعمال الصالحة؛ فيوفَّق لأدائها، لو خُتِمَ له بواحد منها لخُتِمَ له بالخير، ولكنَّ الله تعالى يزيده من الخير؛ لصلاح قلبه وعمله، فيُخْتَم له بجميعها؛ كما كانت خاتمة فاروق هذه الأمَّة عمر بن الخطَّاب - رضيَ الله عنه.
فإنه خَتَمَ عامه الذي مات فيه بالحَجِّ، ومَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسِقْ؛ رجع كيوم ولدته أمُّه، ولم يلبث إلا زمنًا يسيرًا بعد حجِّه حتى قضى؛ وتلك علامة خير، وحُسْن ختام.
ثمَّ إنه - رضيَ الله عنه - قُتِل ظلمًا وعدوانًا؛ وتلك شَهَادَةٌ وحُسْن ختام، وطُعن - رضيَ الله عنه - وهو يصلِّي، وهذا أيضًا من حُسْن خاتمته، وما قضى نَحْبَه - رضيَ الله عنه وأرضاه - إلاَّ وقد قام بحقوق رعيَّته، فمضى وهم عنه راضون، وفجعوا بقتله - رضيَ الله عنه - وناله من دعائهم واستغفارهم له ما ينفعه؛ وتلك من علامات الخير.
وعلى الرغم من أنه - رضيَ الله عنه - ممَّن شهد لهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالجنة، وأخبر - عليه السَّلام - في بعض أحاديثه أنه رأى قصرًا لعمرَ في الجنة؛ فإنَّ عمر لم يغترَّ بذلك؛ بل اجتهد في الخير حتى خُتِمَ له بأعمالٍ صالحةٍ كثيرة، كانت دليلاً على حُسْن خاتمته، رضيَ الله عنه وأرضاه.
سمعتْهُ ابنتُه؛ أم المؤمنين حَفْصَة - رضيَ الله عنها - يدعو قائلاً:"اللهم ارزقني قتلاً في سبيلكَ، ووفاةً في بلد نبيِّكَ". قالت: قلتُ: وأنَّى ذلك؟ قال:"إنَّ الله يأتي بأمره أنَّى شاء" [1] . وهذا من حُسْن ظنِّه بربِّه، ويقينه بقدرته - جلَّ جلاله.