ثم إنَّ الفخرَ الرازي لا يكاد يمرّ بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها، مع ترويجه لمذهب الشافعي - الذي يقلّده - بالأدلة والبراهين.
كذلك نجده يستطرد لذكر المسائل الأصوليَّة، والمسائل النحوية والبلاغية، وإن كان لا يتوسَّع في ذلك توسُّعه في مسائل العلوم الكونيَّة والرياضية.
وبالجملة؛ فالكتابُ أَشْبَهُ ما يكون بموسوعةٍ في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، إذ إنَّ هذه النَّاحيةَ هي الَّتِي غَلَبَتْ عليْهِ حتَّى كادت تقلل من أهمية الكتاب؛ كتفسير للقرآن الكريم.
ومن أجل ذلك قال صاحبُ"كشْف الظنون":"إن الإمام فخر الدين الرازي ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر العجب" [12] ، ونقل عن أبي حيان أنَّه قال في"البحر المحيط":"جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير" [13] .
ويظهر لنا أنَّ الإمام فخر الدين الرازي كان مولعًا بكثرة الاستنباطات والاستطرادات في تفسيره، ما دام يستطيع أن يَجِدَ صِلةً ما بين المستنبط أو المستطرد إليه وبين اللفظ القرآني، والذي يقرأ مقدمة تَفْسِيره لا يسعه إلا أن يحكم على الفخر هذا الحكم، وذلك حيث يقول:"اعلم أنَّه مرَّ على لساني في بعض الأوقات، أن هذه السورة الكريمة - يريد الفاتحة - يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعضُ الحُسَّاد، وقوم من أهل الجهل والغي والعِناد، وحملوا ذلك على ما ألِفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعاني، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب، قدمت هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أنَّ ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول... إلخ" [14] .
وبعد؛ فالكتاب بين يديك، فأجِلْ نظرك في جميع نواحيه، فسوف لا ترى إلا ما قلته فيه، وما حكمت به عليه.