إنَّهُ ابتلاءٌ ابتُلِيَ به المكلفون من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر رجل من هذه الأمة، وصراعٌ بين الحق والباطل.
فأهل الباطل يريدون فرضَ باطِلِهِمْ على الناس، يَؤُزُّهُمْ على ذلك شياطينهم، وتَدْفَعُهم إليْه أهواؤُهم، وأهل الحقّ يَودُّون الحِفاظَ على حقّهم، ويدعون الناسَ إلى هُدَاهُمْ؛ لاستنقاذهم من عذاب ربهم.
إنَّه صراعٌ تَطَاوَلَ مع تَطَاوُلِ القرون، وتَعَاقَبَ مع تَعَاقُبِ الأمم والدول، وما خَلَتِ الأرض دهرًا من دماءٍ تسفك، وأجسادٍ تدفق في حق أو باطل. والسنن الكونيةُ تشهد لذلك، والتاريخ يثبته. بيد أن الغلبة إن كانت لأهل الحق على أهل الباطل فإن نزيف الدماء يتوقف، ولا يُسفك دمٌ إلا بحق؛ لأن أهل الحق يرحمون الخلق، ويخافون فيهم ربهم.
وإذا ما كانت الغلبةُ لأهل الباطل فإن دماءً غزيرة بالباطل تسفك، وأجسادًا بريئة تجرح وتُمَزَّق في سبيل الشيطان وأعوانه.
وهذا الحكم لا يقالُ رجمًا بالغيب، أو تخرُّصًا بلا علم، أو توقعًا بلا خبر؛ فتاريخ البشر في قديمهم دالٌّ عليه، وواقِعِهِمْ في حاضرهم يُثبته ويُؤَيّده، وما عُرِفَ عَنْ نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه كان سَفَّاكًا للدماء، معذِّبًا للناس، بينما كان المعارضون لدعوات الرسل - عليهم السلام - يَسْفِكونَ دِماءَ أَتْبَاع الرُّسل بعد ملاحقتهم وتشريدهم وتعذيبهم؛ لأنه لا دينَ يَرْدَعُهم، ولا شريعة تضبطهم.