وليس الغرض من هذه الوقفة استعراض الجهود العلمية للمسلمين، إذ سيدخل هذا في الجانب الدفاعي والاعتذاري الذي لجأ إليه بعض المتحمسين للثقافة الإسلامية عندما أرادوا أن يلفتوا أنظار الآخرين لها [38] . ولكن الغرض من هذه الوقفة التأكيد على أن المعلومات التراثية كانت موضع اهتمام المسلمين أنفسهم، على أقل تقدير في القرون الثمانية التي حددت بين القرنين الثاني والتاسع الهجريين، ومعظم الأعمال التي جاءت بعد القرن التاسع الهجري أخذت طابع الشروح والتعليقات والتلخيصات [39] وكل ما يدور حول مصادر المعلومات عن التراث، إلى الوصول إلى التحقيق والنشر في القرنين الأخيرين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، مع عدم إغفال الجهود العلمية التي ابتُدئت ابتداءًا، ولكن الطابع العام في هذه القرون التالية كان يهمس إلى الدارسين والمؤلفين أنهم بطريقة أو بأخرى عالة على علماء السلف.
ولا يعني هذا أن الخلف لم يكونوا على مستوى التفكير وتأليف الأعمال العلمية ابتداءًا، ولو كان هذا المقصود لوقعنا في محظور هو مجرد ردة فعل لأولئك المتعلقين بالثقافات الحديثة على حساب الماضي. ولكننا نقدر هنا أن بعض الأعمال العلمية ذات الصبغة التراثية تستمد معلوماتها من مصادر التراث التي ألفها السلف في زمن النهضة العلمية، ثم أُخضع شيء منها للشرح أو الاختصار أو التعليق في زمن الشروح والاختصارات [40] . فيأتي زمننا - وهو المعد زمن العودة إلى النهضة فيبتدئ أعمالًا علمية تقر بالفضل لما أسهم به علماء السلف فتكون امتدادًا لهذه الإسهامات.
ومع أن هذه الوقفة مع مصادر المعلومات عن التراث تحاول التأكيد على وجود الأساس، وهو المصادر إلا أنها لا تملك إلا أن تذكر للمستشرقين جهودهم في إظهار شيء من هذه المصادر خاصة في مجال النشر أو الطبع الابتدائي دون تحقيق [41] .