فهرس الكتاب

الصفحة 16162 من 19127

وأحياناً كنت أخرج عن شعوري عندما أراه، وأقول في بداية الحصة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأنا أعنيه، ثم أشفق عليه عندما أرى اصفرار وجهه، وأهتم به اهتماماً زائداً، ثم فوجئت بعبد الله وقد أتى بطفله معه - لظروف خاصة - وهو يعتذر لي، فقلت له: لا بأس بحضوره في الفصل؛ فأخذه يوسف برفق شديد، وأجلسه على حجره، وربت عليه بحنان بالغ، لم أره من قبل على ملامح وجهه، وترك الطفل يكتب بالقلم كما يشاء على الكتاب مما ضايقني، ولكنني لم أتكلم؛ فهو -كما يبدو لي- لا يحترمني، ولا يحترم المادة...

وعندما انتهى الدرس حاول يوسف فتح الباب؛ ولكنه لم يفتح فتقدمت لأفتحه، وقلت: باسم الله؛ فانفتح الباب، وشعرت بالانتصار، وانتابه خجل طفيف.

وقبل انتهاء الكتاب المقرر طلب مني يوسف أن أدرِّس له في منزله؛ فرفضت؛ ظناً مني أن ذلك خيانة للمركز؛ فقال لي: سأترك المعهد حتى إذا رفضت؛ فوافقت، وعندما عرض عليَّ أجراً سخياً رفضت بشدة، برغم احتياجي الشديد إلى المال، فأمي مريضة بمرض عضال، وتراكمت الديون عليَّ، ولكني لا أستطيع أن آخذه رغماً عني..

وقلت له: أرجوك لا تسبب لي القلق، وعدم الراحة النفسية، والشعور بالذنب؛ فنظر إلي متأثراً وقد لانت ملامح وجهه وصمت..

واليوم ها هو يدعوني إلى بيته لا أعلم لماذا؟

ذهبت إليه، وعندما دخلت البيت، فوجئت بكل الطلبة في حفل صاخب، ثم فوجئت بيوسف يعانقني بشدة ويقول لي: أنت هكذا، رافعاً سبابته لأعلى، لقد أحببت الإسلام بسببك، لأول مرة أرى مسلماً طيباً، فمنذ قدمت إلى هنا لم أرَ إلا القسوة، ثم انفتح في الكلام يشكو قسوة الناس، وقسوة شرطي رآه يضرب لصاً بوحشية..

وقال: تقولون الإسلام، أين هذا الإسلام؟! إننا أفضل منكم، وأرحم منكم، وأنتم كذَّابون، كل كلامكم كذب، ومجاملاتكم كذب..

فقلت له: اعذرنا ربما هذا بسبب الفقر وضغوط الحياة، والأفضل ألا تعاشر المسلمين حتى تقرأ عن الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت