"وكان طبيعياً أن يفتتن بعض الناس بهذا النوع من التقدم، ومن ثم عبدوا هذا المسخ وقدسوه."
وأمام هذا الاستعراض غير المسبوق للقوى المادية للغرب بمختلف جوانبها، فقدنا نحن - أهل الشرق - ثقتنا بأنفسنا، وفي حمى الشعور بالنقص والتخلف تصور بعضنا ـ وخصوصا الشباب من أبنائنا ـ أن دياناتنا إن هي إلا ضرب من الخرافات المخجلة، التي يجب التخلص منها لنلحق بركب التقدم، وندخل في رحاب المعبد الجديد، معبد العلم؛ لنعبد الإله الموهوم، الذي هو المادة!
وسجد بعضنا مبهورين فاقدي الوعي، وقد اختلطت عليهم الوسيلة بالغاية، فجعلوا من التقدم المادي غاية، ونسوا أنه في الحق مجرد وسيلة، وينسى الإنسان في هذا التيه الذي أضاع فيه عمره أنه أخطأ؛ أخطأ مرة حينما تصور أن الكون بلا إله، وأنه قذف به إلى الدنيا بلا نواميس تحكمه ورب يسأله.
وأخطأ مرة أخرى حينما عبد التقدم المادي - الإلهه الذي صنعه بيديه - وجعل منه صدراً لسكينته وراحته؛ فإذا به هو نفسه الذي يسلبه سكينة النفس وراحة البال، بل إنه يصبح - في النهاية - الأداة التي تقصف عمره، وتهد المعبد على بانيه، وعلى ما فيه ومن فيه.
وأخطأ الإنسان مرة ثالثة؛ حينما تصور أن علوم الطبيعة من فيزيقا وكيمياء وبيولوجيا وطب وفلك، هي العلوم الحقة، وأن"الدين أفيون الشعوب".
ويتابع الكاتب تعليقه فيقول:"الدين ضرورة لا غنى عنها؛ لأنه هو الذي يرسم للعلوم الصغيرة غاياتها، ويحدد وظائفها في إطار الحياة المثلى. إن الدين هو الذي يقيم الضمير ويوقظه ويجعله يفعل فعله، وهو الذي يدلنا على أن كل العلوم - غيره - وسائل وليست غايات، كما أن التقدم المادي وهو نتاج تلك العلوم، هو في ذاته وسيلة وليس غاية، والمادة ذاتها مخلوقة مثلما نحن مخلوقون، وليست إلها يعبَد، وإنها لا تستطيع - وحدها - أن تمنح الإنسان سكينته وراحة باله؛ لأنها ناقصة، شأن كل ما في الكون."