هذا وما زال الأطباء يختلفون, والمهندسون يختلفون، وهكذا سائر أصحاب العلوم التجريبية، وما سمعنا يومًا واعظًا عِلمانيًا يدَّعي عدم صلاحِيَة الهندسة، أو يطعن في علماء تلك العلوم ومختصِّيها، أو يَصِفَهم بالجهل والتناقض.
ولكن عندما تأتي الشريعة، ويأتي أهلها - يأتي تناقضهم, وفي القرآن نموذجٌ لاختلاف نبيَّيْن كريمَيْن في الحُكْم على مسألةٍ واحدةٍ, {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الانبياء: 78-79] , ومع ذلك لم ينقص ذلك من قدرهما, وحتى لا يسبق ذلك إلى الذِّهن؛ فيظنُّ ظانٌّ أن جواب الولد الموافق للحقِّ يدل على قصورٍ ونَقْصٍ في الأب، عليهما السلام. قال سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الانبياء:79-80] . وبيَّن فضلهما، وما آسبغ عليهما من النِّعم في سورة النمل؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] . فهذا الاختلاف إذًا لم يُنْقِصْ من قدرهما, ولم يَبْخَس من علمها، مع أن الصواب كان واحدًا لا تناقض فيه.