فهل بعد هذا الفَضْل من فَضْلٍ؟
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا شَابَتْ عَبِيدُهُمُ فِي رِقِّهِمْ عَتَقُوهُمْ عِتْقَ أَبْرَارِ
وَأَنْتَ يَا خَالِقِي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا قَدْ شِيتَ فِي الرِّقِ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ
يقول ابن عبَّاس - رضي الله عنهما:"كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجْوَدَ النَّاس، وكان أجْوَد ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل؛ فيُدارِسُه القرآن، ولقد كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجْوَد بالخير من الرِّيح المُرْسَلَة."
والريح المرسلة: التي تهبُّ معطاءةً وكريمةً ورَخْوًا؛ فكان المصطفى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أجودَ النَّاس في رمضان، ما سئل سؤالاً فقال: لا.
وفي رمضان: يُخَصَّصُ هذا الشَّهْر لقراءة القرآن، وقد فهم هذا علماء الأمَّة؛ فعطَّلوا الفُتْيَا، وحلْقاتِ العلم والتَّدْريس، والاتصالات الخارجيَّة بالنَّاس، وأخذوا المصحف؛ يتدارسونه، يضعون دواءَه على الجراحات، ويأخذون بَلْسَمَهُ على الأرض والأسقام؛ فيشفيهم ربُّ الأرض والسَّماء؛ لأنَّ هذا القرآن شفاءٌ، ونزل في الليل، وأتى في رمضان؛ ليحييَ الأمَّة المَيْتَة، التي ما عَرَفَتِ الحياة، ويُنِيرَ بصيرةَ الأمَّة التي ما عَرَفَتِ البصيرة، ويرفع رأس الأمَّة التي كانت في التُّراب.
لما أتى عليه الصلاة والسلام - قال لأمَّته في أوَّل رمضان ما قاله الله تبارك وتعالى: (( كلُّ عمل ابن آدم له، إلا الصِّيام؛ فإنَّه لي، وأنا أجزئ به ) )؛ لأنه سرٌّ بينكَ وبين الله، لا يطَّلِع على صيامِكَ إلا الله، ولا يعلم أنَّكَ صائمٌ إلا الله. بإمكانك أن تأكل وراء الجدران، وأن تشرب وراء الحيطان، ولكن: مَنِ الذي يعلم السرَّ وأخفى إلاَّ الله؟
مَنِ الذي يعلم أنَّك أكلتَ أو شربتَ أو تمتَّعْتَ إلا الله؟
هو ربُّ الظَّلام وربُّ الضِّياء.