ولكن ذلك كلَّه لا يعني - كما يحاول أن يُشيعَ بعض الباحثين المعاصرين - أن هذا النقد التراثيَّ سطحيٌّ، أو عديم الجدوى، أو أنه مما عفَّى عليه الزمن، أو أنه مما ينبغي أن يُتجاوز في أيِّ درس أدبيٍّ حديث..
إن في هذا النقد - كما ذكرنا - نظراتٍ عميقةً، وآراءً سديدة في غاية النفاسة، وإن كثيراً منها ليتَّفق مع أحدث ما توصَّلت إليه الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة، ولكنَّ هذه النظرات متناثرةٌ هنا وهناك، مبعثرةٌ عند هذا الناقد أو ذاك، وهي تحتاج إلى جمع ولملمة، حتى يُضمَّ النظير إلى نظيره، والشبيه إلى شبيهه، ومن جمع المتفرِّق، ولمِّ شتات المبعثر المتناثر، تُصنع نظرية نقدية عربية متكاملة، تقارب عناصرَ الأدب جميعَها.
إن النظرية النقدية المنشودَة لن نجدَها متكاملةً عند ناقد عربيٍّ واحد، ولكنها ستكون من صُنعنا، نصنعها من آراء النقَّاد القدماء بعد جمعها، وتصنيفها، وتفريعها إلى قضايا ومسائل تستقصي جميع عناصر العمل الأدبيِّ وأركانه.
في نقدنا العربيِّ التراثيِّ كلامٌ كثير على الشكل والمضمون، والصورة الأدبية، والخيال، والعاطفة، وعن طبيعة الإبداع، وماهيَّة الشعر، ووظيفة الأدب، وغير ذلك من القضايا والمسائل.
وإذا أُتيح لهذه الآراء المبعثرة من يجمعها وينسِّقها - على النحو الذي ذكرنا - فإن هذا سيكون عملاً عظيماً يسهم في بناء نظرية النقد العربيِّ المنشودَة، ويكون هو اللَّبِنَة الأساس في هذا البناء.