ومضى المجلس وانفض بعدها، إلاّ أن ابن هبيرة راجع نفسه ونظر في قوله، فعملت النفس اللوامة عملها.
ولك أن تتأمل لفظه: أحمار أنت؟!
غاية ما فيه تعريض باستفهام، إلاّ أن الضمير اليقظ لم يلتمس لصاحبه العذر، والنفس اللوامة آثرت أن تحرز السلامة، والفقه أفهمَه أن التعريض في هذا كالتصريح، فلما كان في اليوم الثاني قال الوزير للجماعة: جرى مني بالأمس ما لا يليق بالأدب، حتى قلت له تلك الكلمة، فليقل لي كما قلت له، فما أنا إلا كأحدكم. فضج الخلق بالبكاء.
وأخذ ذلك الفقيه يعتذر ويقول: أنا الأولى بالاعتذار.
والوزير يقول: القصاصَ، القصاصَ.
وكان في المجلس بعضُ أهل الفطنة من فقهاء الشافعية يُدعى يوسف الدمشقي صاحب درس النظامية فخلص المجلس بأن قال: إذ أبى القصاص فالفداء.
فقال الوزير: له حُكْمُه.
فقال الرجل: نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي!
قال: لا بد.
قال: عليّ دين مائة دينار.
فقال الوزير: يُعطَى مائة لإبراء ذمته، ومائة لإبراء ذمتي.
فأحضرت في الحال فلما أخذها قال الوزير: عفا الله عنك وعني وغفر لك ولي.
وقد ذكر هذا الخبر ابن الجوزي في تاريخه [2] .
فتأمل نتيجة الاقتصار وترك المجازاة بالمثل كيف كان أثرها عند من كان له قلب أو ضمير؟
وإذا كانت تلك ثمرة الكف فكيف بالإحسان؟
يذكرون أن مساورًا الوراق الشاعر، نقَم على أبي حنيفة وأصحابه، فقال يعرّض بهم:
كُنا من الدّين قبل اليوم في سَعَةٍ حتى ابتُلِينا بأصحابِ المقاييسِ
قامُوا من السُوق إذ قلّت مكاسبُهم فاستعمَلوا الرأيَ عند الفقر والبوسِ
أمِّا العُرَيْب فأمَسوْا لا عطاءَ لهم وفي المَوالي علاماتُ المفاليسِ
فلقيه أبو حَنيفة، فقال له: هجوْتَنا، نحن نرضيك، فبعث إليه بدراهم، فقال:
إذا ما الناسُ يومًا قايسُونا بمسألة من الفُتيا لطيفَةْ
أتيناهم بمقْياس صَحيح صليبٍ من طِراز أبي حَنِيفةْ
إذا سَمِع الفقيه به حواه وأثبته بِحِبْرٍ في صَحيفةْ [3]