بل إنَّ وَهْمَ المحقِّق كان هنا كبيرًا جدًّا، حيث عَمَدَ - في تحقيقه لكتاب"البارع"لابْنِ القَطَّاع - إلى نقل عبارته السابقة من موقعها الصحيح - أي: بعد الضربين الثالث والرابع - إلى موقع خاطئ - بعد الضربين الثاني والثالث - اعتمادًا على خطئه في فهم عبارة الأخفش السابقة، قائلاً (البارع 103، هامش 5) :"ذكر ابن القَطَّاع هذه العبارةَ بعد حديثه عنِ الضرب الرابع، مما يُوقِعُ في اللَّبْسِ بأنَّ المقصود منَ الشذوذ عند الأخفش الضربُ الرابعُ والثالث، وحينما رجعتُ إلى كتاب العَروض للأخفش؛ وجدتُهُ يتحدث عنِ الضرب الثاني (فَاعِلانْ) والضرب الثالث (فَاعِلُنْ) ، وعليه نقلت هذه العبارة إلى مكانها الحالي"!!.
5-ونَقَلَ المحقِّق (ص 67) عن الدَّمَامِينِيِّ قولَهُ (الغامزة 66) :"حكى الأخفش: أن للهَزَج ضربًا ثالثًا مقصورًا [مَفَاعِيلْ] ، وبيته:"
وَمَا لَيْثُ عَرِينٍ ذُو أَظَافِيرَ وأَسْنَانْ
أَبُو شِبْلَيْنِ وَثَّابٌ شَدِيدُ الْبَطْشِ غَرْثَانْ
هكذا روي بإسكان النون، قالوا: والخليل يأبى ذلك، ويُنْشِدُهُ على الإطلاق والإقواء":"
ولم يجد المحقِّقُ لِهذا النَّصّ ما يَدْعَمُهُ من كتاب الأخفش؛ فقال:"بذلك صرَّح ابن القَطَّاع، وهو خير عليمٍ بآراء الأخفش وكتابه"!!.
وليس في ذلك أيَّةُ حُجَّة للمحقِّق؛ لأنَّ مثل هذا النَّصّ غير موجود في كتاب الأخفش هذا وإن حُكِيَ عنه.
6-ووجود بعض الأحكام العَروضية عند ابن القَطَّاع - أو سواه، والتي ذكرها الأخفش في كتابه، ليس دليلاً على أنَّ الأول أخذها عن الثاني، ما لم يشر الناقل إلى ذلك، أو ما لم تكن هنالك قرينةٌ تدلّ على ذلك، كأن يكون رأي الأخفش فيها متميزًا، ومخالفًا للخليل.
فقول ابنِ القَطَّاع (البارع 149) :"وفي الهَزَج المعاقبة بين ياء (مَفاعِيلُنْ) ونونه"، وقول الأخفش (ص 147) :"وأمَّا الهَزَج فتعاقب في (مَفَاعِيلُنْ) الياءُ النونَ" [2] .