فهرس الكتاب

الصفحة 15331 من 19127

أخافَني الموتُ دَهراً ثمَّ صافاني وقالَ لي: لستَ بالعادِي ولا الجاني

ويعرض علينا الشاعر دفاعَ الموت عن نفسه فيما يظنه الناس، وبراءته من التهم الموجَّهة إليه، فيقول على لسانه:

لا أُنقِصُ المرءَ يوماً قطُّ من أجَلٍ ولا أَجورُ على إنسٍ ولا جانِ

أنا الوَفيُّ لأمرِ اللهِ أُنفِذُهُ كما يَشاءُ وإنَّ العَدلَ مِيزاني

ولستُ أَظلمُ إنساناً لمَسكَنَةٍ ولا أُداري ذَوي مالٍ وسُلطانِ

بل أَحرِسُ العُمرَ للإنسانِ يَقطَعُه والحَبلُ أُرخِيهِ للقاصي وللدَّاني

حتَّى إذا جاءَ أمرُ اللهِ قُمتُ بهِ أَذاكَ ظُلمي لَهُ أم ذاكَ إِحساني؟!

وأمام بيان الدفاع في إثبات البراءة من الجناية يقدِّم لنا الشاعر الموتَ بريئاً مما وُجِّه إليه من التهم فهو عادل مطيع لأمر الله، حافظ للإنسان أن يَنتقص من أجَله، ولذلك ينتزع منا الإجابةَ على تساؤله لنعترفَ بأن ذلك منه إحسان للإنسان، وليس ظلماً!

ويذهب الشاعر أبعدَ من ذلك، فيضع الموت في دعواه تحت المراقبة السلوكية حتى يتيقَّن صدقَ دعواه، واستقامة مسلكه، فيقول:

سمعتُ ما قالَ واستَرسَلتُ أَرقُبُه فكانَ حقّاً أخا صِدقٍ وإيمانِ

وكان أَرحَمَ مِن باغٍ وطاغِيةٍ يَستأصِلُ الناسَ وهو الباسمُ الهاني

فماتَ خَوفيَ منهُ وهو بادَلَني حُبّاً بُحِبٍّ وناجاني وآخاني

رأيتُ منهُ وَفاءً رغمَ سَطوَتِهِ لم أَلقَهُ في كَثيرٍ بينَ إخواني

وَضَعتُ في كَفِّهِ كَفِّي فعاهَدَني على الإخاءِ ولا تَعجَب وأَرضاني

إذن، اجتاز الموتُ اختبار البراءة المسلكية، وبدأ عهدٌ جديدٌ في العلاقة بينه وبين الشاعر، حلَّت فيه الطمأنينة محلَّ الخوف، والثقة محلَّ الشك، مما أثار استغرابَ الآخَرين الذين يجهلون ما أدركه الشاعرُ الحكيم، فقال:

رأى صَداقَتَنا قالٍ، فساءلَنا: هل أنتُما - هكذا يَبدو - صَديقانِ؟!

فقلتُ: بل نحنُ في أَعلى مَكارِمِها ونحنُ في ذُروَةٍ منها نَديمانِ

وتبدأ صفحةٌ جديدةٌ مع الموت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت