فهرس الكتاب

الصفحة 14749 من 19127

وكان موسى عازمًا على أن يفتح أوربة كلها ويصل إلى الشام من طريق القسطنطينية، أي: ابتدأ غربًا وأراد أن ينتهي شرقًا، ويكون قد لفَّ القارتين الأفريقية والأوربية، قال ابن خلدون - رحمه الله تعالى:"واستجمع - أي موسى - أن يأتي المشرق على القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس، ويخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصارى مجاهدًا فيهم، مستلحمًا لهم إلى أن يَلْحَقَ بدار الخلافة" [12] .

لكن الخلافة الإسلامية في الشام أمرتْهُ بالتَّوقُّف؛ لئلا يخاطر بالمسلمين [13] وأمره الوليد بن عبدالملك أن يعود إلى الشام، فنظَّم إدارة الأندلس، وجعل حاضرتها إشبيلية، وولَّى عليها، ثم عاد إلى الشام في ذي الحجة عام خمسة وتسعين ومعه من الغنائم والسبي ما لا يُحْصى [14] ، وذلك بعد أن سطر مع طارق بن زياد تاريخًا مجيدًا للإسلام في الجزيرة الخضراء، وكان رمضان المبارك موقعًا لكثير من فتوح بلاد الأندلس.

لقد كان فتح الإسلام لأسبانيا وما حولها فاتحة عصر جديد بزغ فيه النور، وأقيم فيه العدل، ورفع الظلم، ونُشر العلم، وفُتحتِ المدارس، وهبت هبوب الحضارة والتقدم بشهادة المؤرخين الغربيين؛ إذ يقول أحدهم:"في أقلَّ من أربعةَ عشَرَ شهرًا قُضي على مملكة القوط قضاء تامًّا، وفي عامَيْن فقط وطِّدت سلطة المسلمين فيما بين البحر الأبيض المتوسط وجبال البرنيه، ولا يقدم لنا التاريخ مثلاً آخَرَ اجتمعتْ فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمَعَتْ في هذا الفتح" [15] ، ويقول آخر:"أنشأ العرب حكومة قُرْطُبة التي كانت أعجوبة العُصُور الوسطى، بينما كانت أوربا تتخبَّط في ظلمات الجهل فلم يكن سوى المسلمين من أقاموا بها منائر العلم والمدنية... ويواصل قائلاً: ما كان المسلمون كالبرابرة من القوط أو الوندال، يتركون وراءهم الخراب والموت، حاشا؛ فإن الأندلس لم تشهد قط أعدل وأصلح من حكمهم" [16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت