حكى بدرًا والفتح وعين جالوت وغزو الأندلس وغزوات أخرى كثيرة، عَزَّتْ نفوس أسلافنا بالإيمان والعبادة، فانتصرت على شياطينها وشهواتها، وعزّت بلادهم بالجهاد فأرهبت كفَّارها ومنافقيها، وخضعت الدنيا لحكم الإسلام، ودخل الناس في دين الله - تعالى - أفْواجًا، وأمَّا في الأزمان المتأخرة فإن كل رمضان يحكي للمسلمين رزيَّة، ويكون موقعًا لمصيبة وبلية؛ فمن البوسنة إلى الشيشان، ومن كشمير إلى كوسوفا، ومن هناك وهنالك إلى بيت المقدس، وما أدراك ما بيت المقدس؟!
لقد ذلت نفوس كثير من المسلمين بالمعصية؛ فذلت ديارهم بتسلط أعدائهم عليهم، وما أصابهم ما أصابهم إلا بما كسبت أيديهم، ولا يظلم ربك أحدًا.
لقد أتى على أسلافنا أيام ملأت من الدهر مِسْمَعيه، وضربت كل جبار في أَخدعيه [1] ، وفرضت الذلة على جماجم الأكاسرة، وأطارت النعرة من معاطس القياصرة.
قوم ابتسلوا للموت نفوسهم، فرفعوا في الحياة رؤوسهم، يركبون من البر والبحر كلَّ غارب، ويلتمسون بالجيش دار المحارب، أحمت أنوفهم حياة القفر، وأعزت نفوسهم الرمال العفر، فكانت بلادُهم عذارى تُخلف ظن كل فاتح، وعقائل لا ينتهي إليها الطيف فضلاً عن الطائف [2] .
جاءهم الإسلام بعزائم القرآن، وعزَّز ما فيهم من خيمٍ كريم [3] ، وطبع سليم. بصلابة الإيمان اندفقت سيولهم من منابعها، وخرجت سنابلُهم من قنابعها، وملكوا ما بين الصين وبحر الظلمات في أقل من مئة عام، وأتوا من الأعمال ما لو حدثوا بها أنفسهم من قبل لقيل: إنه من الأحلام [4] .
وكان من أنفس ما سدَّدهم الله - تعالى - إلى فتحه: جزيرة الأندلس الخضراء، الدُّرَّة الدهماء، والبقعة الجامعة بين الشموس والأفياء، أَتَوْهَا مِنْ كُلّ فَجّ، جيش يتلو جيشًا، وبعثٌ يردف بعثًا؛ حتى ذلَّلوا أعرافها، وألانوا أعطافها، فخيَّم الإسلام بعُقرتها تخييم من جمع الاعتمار، وأمدتهم جزيرة العرب بأفلاذ أكبادها، ورمت أعداءهم بأنجاد أجنادها [5] .